العلم القديم، وليس مرادًا هنا؛ لأن ذلك لا يطَّلِع عليه غير اللَّه تعالى- فإنك تجد قصَّة هذه النطفة، فينطلق، فيجد قصتها في أُمِّ الكتاب: تُخلَق فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها. . قُبضت فدُفنت في المكان الذي قُدر لها" (¬1).
وفي أخرى أنه يقول: "يا ردب؛ مُخلَّقة أو غير مُخلَّقة؟ فإن كانت غير مخلقة. . قذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة. . قال: يا رب؛ أذكرٌ أم أنثى؟. . . " (¬2) وذكر ما مر.
واستقرارها: صيرورتها علقة أو مضغة؛ لأنها قبل ذلك غير مجتمعةٍ كما مر، فلا تؤخذ بالكف؛ وسُميت بعد الإستقرار نطفةً باعتبار ما كان.
واستفيد من عدم اجتماعها قبل صيرورتها علقةً: أنه لا يدار على إلقائها حكمٌ ما دامت نطفة، فلا تثبت بها أمية ولد، ولا تنقضي بها عدة، قال الحنابلة وغيرهم: ولا يحرم التسبب إلى إلقائها؛ لأنها لم تنعقد بَعْدُ، وقد لا تنعقد ولدًا؛ بخلاف العلقة، لا يجوز إسقاطها لانعقادها؛ أي: وهو يغلب على الظن صيرورتها ولدًا، ومن ثَمَّ جاء في بعض الروايات السابقة: أن الملك لا يعلم أن النطفة ولدٌ حتى تصير علقة.
وقولُ جمعٍ من الفقهاء: (يجوز الإسقاط ما لم ينفخ فيه الروح كالعزل) (¬3). . ضعيفٌ (¬4)؛ إذ لا جامع بينهما؛ فإن غاية ما في العزل تسببٌ إلى منع الانعقاد، فكيف يقاس به ولدٌ انعقد، وربما تصور؟!
ويؤيّد ما قررناه من حرمة إسقاط العلقة قول المالكية: يثبت بها الاستيلاد،
¬__________
(¬1) ذكره الإمام السيوطي رحمه اللَّه تعالى في "الدر المنثور" (6/ 9) عن سيدنا ابن مسعود رضي اللَّه عنه بنحوه، وعزاه للحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" وابن أبي حاتم.
(¬2) ذكره في "الدر المنثور" (6/ 10) عن سيدنا ابن مسعود رضي اللَّه عنه بنحوه، وعزاه لابن جرير.
(¬3) قوله: (يجوز) معتمد، فقوله: (ضيف) ضعيف، وعبارة (م ر) في كتاب أمهات الأولاد: والراجح تحريمه بعد نفخ الروح مطلقًا -أي: ولو من زنا- وجوازه قبله. اهـ "مدابغي"
قال الشارح رحمه اللَّه تعالى في "التحفة" (8/ 241): (فرع: اختلفوا في التسبب لإسقاط ما لم يصل لحدِّ نفخ الروح فيه، وهو مئة وعشرون يومًا، والذي يتجه -وفاقًا لابن العماد وغيره- الحرمة) ثم قال: (ويحرم استعمال ما يقطع الحبل من أصله كما صرَّح به كثيرون، وهو ظاهر). قال العلامة الشرواني رحمه اللَّه تعالى في "حاشيته على التحفة" (8/ 241): (قوله: "والذي يتجه. . . " سيأتي في "النهاية" في أمهات الأولاد خلافُه. وقوله: "من أصله" أي: أما ما يبطئ الحمل مدّةً ولا يقطعه من أصله. . فلا يحرم كما هو ظاهر، ثم الظاهر: أنه إن كان لعذرٍ كتربية ولدٍ. . لم يكره أيضًا، وإلا. . كره. اهـ "ع ش").
(¬4) كما ضعف هذا القول في عدة مواضع من "شرح المنهاج" راجع أول النكاح، وفصل عدة الحامل، وبحث الغرة، واللَّه تعالى أعلم. اهـ هامش (غ)