كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

أولَ "المؤمنين") (¬1) وهي: السلالة، والنطفة، والعلقة، والمضغة، ثم العظام، ثم كسوَتها لحمًا، ثم إنشاؤها خلقًا آخر.
(فو) اللَّه (الذي لا إله غيره) (¬2) فيه الحلف من غير استحلاف، ولا كراهة فيه إذا كان لعذر؛ كتأكيد أو ترهيب، أو تعجُّب أو تعجيب كما هنا؛ فإن العرب إذا تعجَّبت من شيء. . أقسمت عليه، وزاد (الذي. . . إلخ) لمناسبة المقام؛ فإنه تعالى المنفرد بالألوهية، المستلزمة لانفراده بخلق الأعمال من خيرٍ وشرٍّ، المعبَّر عنه فيما مر بالإيمان بالقدر، ومن ثَمَّ كان هذا المحلوف عليه مأخوذًا من آيات القدر؛ نحو: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}، وأحاديثِهِ؛ كحديث محاجَّة آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام (¬3)، وحديث: "كلٌّ ميسرٌ لما خلق له" (¬4)، وحديث: "اعملوا على مواقع القدر" (¬5).
(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون) بالرفع؛ لأن (ما) كفَّت (حتى) (¬6) (بينه وبينها إلا ذراع) هو من باب التمثيل المقرر في علم البيان، فهو تمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه إحدى الدارين؛ أي: ما بقي بينه وبين أن يصلها إلا كمن بقي بينه وبين مقصده ذراع.
(فيسبق عليه الكتاب) أي: المكتوب له في بطن أمه، مستندًا إلى سابق العلم الأزلي فيه، ويصح بقاؤه على مصدريته.
¬__________
(¬1) أخرج نحوه ابن عبد البر في "الإستذكار" (27539).
(¬2) هكذا في جميع النسخ بالجمع بين الجلالة وصفته، وعبارة المناوي: (فوالذي: صفة لمقسم به محذوف؛ أي: واللَّه الذي، وفي رواية "البخاري": "فواللَّه؛ إن أحدكم"، وفي رواية "ابن ماجه": "فوالذي نفسي بيده" انتهت، والفاء فصيحة. اهـ "مدابغي"
(¬3) أخرجه البخاري (3409)، ومسلم (2652) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(¬4) أخرجه البخاري (7551)، ومسلم (2649) عن سيدنا عمران بن حصين رضي اللَّه عنهما.
(¬5) أخرجه ابن حبان (338)، والإمام أحمد (4/ 186) عن سيدنا عبد الرحمن بن قتادة رضي اللَّه عنه بنحوه.
(¬6) قوله: (بالرفع لأن "ما" كفت حتى) قلَّد في ذلك قول الشارح الفاكهاني: يتعين رفع (يكون) لأن (ما) نافية قطعت عمل (حتى) عنه. اهـ، وما زعمه من التعين ممنوعٌ، بل لا يصح؛ فقد قال الطييي في "شرح المشكاة": (حتى) هي الناصبة و (ما) نافية ولم تكف (حتى) عن العمل، فتكون منصوبة بـ (حتى). وأجاز غيره كون (حتى) ابتدائية. . . ونسبة النصب إلى (حتى) مجازية؛ لأن النصب بـ (أن) مضمرة بعدها كما في كتب النحو. اهـ "مدابغي"

الصفحة 211