كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

وعلانيته" (¬1)، وكان صلى اللَّه عليه وسلم يقول فرب دعائه: "أسألك خشيتك في الغيب والشهادة" (¬2)، وهي من المنجيات.
وهذا من جوامع كلمه صلى اللَّه عليه وسلم؛ فإن التقوى وإن قلَّ لفظها إلا أنها كلمةٌ جامعةٌ لحقوقه تعالى، وهي أن يُتقى اللَّهُ حقَّ تقاته؛ أي: "بأن يطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر" خرجه الحاكم مرفوعًا (¬3)، قيل: وهو منسوخ بـ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وينبغي أن يقال: لا نسخ؛ إذ لا يصار إليه إلا بشروطٍ لم توجد كما يعلم من محله، فالأَوْلى أن يقال: المراد: أن يطاع فلا يعصى بحسب الاستطاعة، وكذا ما بعده.
ولحقوق عباده بأسرها (¬4)، فمن ثَمَّ شملت خيري الدنيا والآخرة؛ إذ هي اجتناب كل منهيٍّ، وفعل كل مأمورٍ، فمن فعل ذلك. . فهو من المتقين الذين شرَّفهم اللَّه تعالى في كتابه بالمدح والثناء: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، وبالحفظ من الأعداء: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}، وبالتأييد والنصرة: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وبالنجاة من الشدائد، والرزق من الحلال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، قال أبو ذر: قرأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم هذه الآية ثم قال: "يا أبا ذر؛ لو أن الناس كلهم أخذوا بها. . لكفتهم" (¬5).
وبإصلاح العمل وغفران الذنوب: {اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}، وبكفلين من الرحمة، وبالنور: {اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ}، وبالقَبول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، وبالإكرام والإعزاز عند اللَّه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وبالنجاة من النار: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا}، وبالخلود في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.
¬__________
(¬1) أخرجه الإمام أحمد (5/ 181).
(¬2) أخرجه ابن حبان (1971)، والحاكم (1/ 524) عن سيدنا عمار رضي اللَّه عنه.
(¬3) انظر "المستدرك" (2/ 294) عن سيدنا عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه.
(¬4) عطف على قوله: (لحقوقه تعالى).
(¬5) أخرجه ابن حبان (6669)، والحاكم (2/ 492)، والنسائي في "الكبرى" (11539).

الصفحة 351