كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

وخشوعها، وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤْتِ كبيرةً، وذلك الدهر كله" (¬1) والأحاديث بمعنى ذلك كثيرة.
وقيل: إن الأعمال الصالحة تكفر الكبائر، وممن قال به ابنُ حزم، لكن أطال ابن عبد البر في الرد عليه (¬2)، ورده بعضهم بأنه إن أُريد أن مَنْ أتى بالأعمال وهو مُصِرٌّ على الكبائر تغفر له الكبائر قطعًا. . فهو باطلٌ قطعًا معلومٌ بطلانه من الدين بالضرورة، وإن أريد أن مَنْ لم يُصِرَّ عليها وحافظ على الفرائض من غير توبةٍ ولا ندمٍ كفَّرت بذلك. . فهو محتملٌ لظاهر آية: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي: ما سلف منكم صغيرًا كان أو كبيرًا، ومع ذلك: الصحيح قول الجمهور: إن الكبائر لا تكفر بدون التوبة.
نعم؛ إقامة الحد بمجرده كفارةٌ كما صرح به حديث مسلم (¬3)؛ أي: بالنسبة لذات الذنب، أما بالنسبة لترك التوبة منه. . فلا يكفرها الحد؛ لأنها معصية أخرى (¬4)، وعليه يحمل قول جمع: إن إقامته ليست كفارة، بل لا بد معها من التوبة، وقوله تعالى في المحاربين: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. . لا ينافي ذلك؛ لأنه ذكر عقوبتهم في الدارين، ولا يلزم اجتماعهما.
ويؤيد ما تقرر: قول بعض المتأخرين: إن أُريد أن الكبائر تُمحى بمجرد العمل. . فهو باطلٌ، أو أنه قد يوازن يوم القيامة بينها وبين بعض الأعمال، فتُمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب. . فهذا قد يقع كما دلت عليه أحاديث؛ كحديث البزار والحاكم: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة،
¬__________
(¬1) صحيح مسلم (228) عن سيدنا عثمان رضي اللَّه عنه.
(¬2) انظر "التمهيد" (4/ 49) وما بعدها.
(¬3) تنبيه: صحة التوبة إنما تتوقف على التمكين من الحد إن ثبت عليه مقتضى الحد، وكذا لو اشتهر عليه بين الناس؛ فإن لم يثبت ولا اشتهر. . صحت توبته بدون تمكين، بل الأفضل له: أن يستر على نفسه، ويكره تنزيهًا إظهاره، وحيث توقفت على التمكين ومكن فلم يحده الإمام ولا نائبه. . أثما دونه وصحت توبته. اهـ هامش (غ)
(¬4) والحاصل: أن إثم الإقدام على شرب الخمر مثلًا وإثم تأخير التوبة منه لا يكفرهما الحد، وإنما يكفر إثم الذنب فقط. اهـ هامش (ج)

الصفحة 357