كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

(إذا لم تستحي) (¬1) من (حيي أو استحيى) فهو مستحْيٍ ومستحٍ (فاصنع ما شئت) أي: فإنك ستُجازى عليه، فهو أمر تهديدٍ ووعيدٍ لمن ترك الحياء، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، أو المراد به: الخبر، كقوله صلى اللَّه عليه وسلم: "فليتبوأ مقعده من النار" (¬2).
ومعناه: أن عدم الحياء يوجب الاستهتار والانهماك في هتك الأستار، أو المراد: ما لا يستحى من اللَّه ولا من الناس في فعله إذا ظهر. . فافعله، وإلَّا. . فلا، فهو أمر إباحة، والأول أَولى وأظهر، ولم يذكر أحدٌ في هذه الآية غيره فيما نعلم.
فعلم أن الحياء من أشرف الخصال، وأكمل الأحوال، ومن ثَمَّ قال صلى اللَّه عليه وسلم: "الحياء خيرٌ كله، الحياء لا يأتي إلا بخير" (¬3)، وجاء أنه صلى اللَّه عليه وسلم (كان أشد حياءً من البكر في خدرها) (¬4)، وصح: "إن الحياء شعبةٌ من الإيمان" (¬5).
وفي حديثٍ ضعيفٍ: "إذا أراد اللَّه بعبدٍ هلاكًا. . نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء. . لم تلقه إلا مقيتًا مُمقَّتًا -وفي رواية: إلا بغيضًا مبغضًا- فإذا كان مقيتًا ممقَّتًا. . نزع منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنًا مخونًا، فإذا كان خائنًا مخونًا. . نزع منه الرحمة فلم تلقه إلا فظًا غليظًا، فإذا كان فظًا غليظًا. . نزع منه ربقة الإيمان من عنقه، فإذا نزع منه ربقة الإيمان من عنقه. . لم تلقه إلا شيطانًا لعينًا ملعنًا" (¬6).
لكن ينبغي أن يراعَى فيه القانون الشرعي؛ فإن منه ما يذم شرعًا؛ كالحياء المانع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجود شروطه؛ فإن هذا جبنٌ لا حياء،
¬__________
(¬1) قوله: (لم تسحي) بحذف الياء وإثباتها، ويكون الجازم حذف الياء الثانية؛ لأنه من (استحيى) والأول من (استحى) ولعله نظر إلى أصل المادة، ثم إن الرواية: "لم تستحي" بإسكان الحاء وكسر الياء خلافًا لما يوهمه ظاهر كلام الشارح ملا علي قاري. اهـ "مدابغي"
(¬2) أخرجه البخاري (108)، ومسلم (2) عن سيدنا أنس رضي اللَّه عنه.
(¬3) أخرجه البخاري (6117)، ومسلم (37) عن سيدنا عمران بن الحصين رضي اللَّه عنهما.
(¬4) أخرجه البخاري (3562)، ومسلم (2320) عن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه.
(¬5) أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(¬6) أخرجه ابن ماجه (4045) عن سيدنا ابن عمر رضي اللَّه عنهما، والبيهقي في "الشعب" (7328) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما بالفاظ مقاربة. والرِّبقة: العروة، والمراد: العهد والميثاق.

الصفحة 383