يزال يقذف له بالحُجج حتى يقال له: شأنك به فيأخذ بيده، فما يرسله حتى يلبسه حُلَّة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر" (¬1).
(كل الناس يغدو) أي: يصبح ويبكر ساعيًا في تحصيل أغراضه، مسرعًا في طلب نيل مقاصده.
(فبائع نفسه) (¬2) من اللَّه عز وجل، ببذلها فيما يُخَلِّصها من سخطه وأليم عقابه، متوجهًا بقلبه وقالبه إلى الآخرة وأعمالها، مع الإعراض عن زخارف الدنيا وزينتها، ومتقيدًا بآداب الشرع قولًا وفعلًا، وامتثالًا واجتنابًا.
(فمعتقها) (¬3) من رِقِّ الخطايا والمخالفات، ومن سخط اللَّه وأليم عقابه، كما قال اللَّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}. . . إلى أن قال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}، {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.
وفي حديث "الصحيحين" المشهور: لما نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قال: "يا معشر قريش؛ اشتروا أنفسكم من اللَّه، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا" ثم قال مثل ذلك لبني عبد المطلب، وبني عبد مناف، ولعمته، وبنته، وغيرهم (¬4).
وأخرج الطبراني والخرائطي: "من قال إذا أصبح: سبحان اللَّه وبحمده ألف مرة. . فقد اشترى نفسه من اللَّه، وكان من آخر يومه عتيقًا من النار" (¬5)، فاعجب من بيعٍ آيلٍ إلى عتقٍ وسيادة، ومتكفلٍ بالفوز بالحسنى وزيادة!!
¬__________
(¬1) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (30667).
(¬2) قوله: (فبائع نفسه) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو باثع نفسه، والمبتدأ يكثر حذفه بعد فاء الجزاء. اهـ "الفتوحات الوهبية على الأربعين" (ص 208)
(¬3) خبر آخر، أو بدل من قوله: (فبائع نفسه).
(¬4) صحيح البخاري (2753)، وصحيح مسلم (206) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(¬5) ذكره الهيثمي في "المجمع" (10/ 116) عن سيدنا ابن عباس رضي اللَّه عنهما وعزاه للطبراني في "الأوسط".