كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

جمع (دَثْر) بفتح فسكون؛ وهو: المال الكثير، يقال: مال دَثْر، ومالان دَثْر، وأموال دَثْر.
(بالأجور) الكثيرة لكثرة أعمالهم؛ فإنهم (يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم) أي: بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم، وقيَّدوا بذلك؛ بيانًا لفضل الصدقة؛ فينها بغير الفاضل عن الكفاية إما مكروهةٌ، أو محرمةٌ، على التفصيل المقرر فيها في الفقه (¬1)، وقولهم ما ذُكر ليس حسدًا، بل غبطةً وطلبًا للمنافسة فيما يتنافس فيه المتنافسون من طلب مزيد الخير ومنتهاه؛ لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير؛ قال اللَّه تعالى: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}.
ولمَّا فهم منهم صلى اللَّه عليه وسلم ذلك. . (قال) لهم جوابًا وتطمينًا لخاطرهم وتقريرًا؛ لأنهم ربما ساووا الأغنياء: (أَوَليس) أي: أتقولون ذلك؟! أي: لا تقولوه؛ فإنه (قد جعل اللَّه) سبحانه وتعالى (لكم ما تصَّدَّقون) بتشديد الصاد، كما هو الروابة؛ أي: تتصدقون به، أُدغمت إحدى التاءين بعد قلبها صادًا في الصاد، وقد تحذف إحداهما فتخفف الصاد.
(إن) لكم (¬2) (بكل تسبيحةٍ) أي: قول: سبحان اللَّه؛ أي: بسببها؛ كقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ولا ينافيه خبر: "لن يدخل أحدكم -وفي رواية: أحدٌ منكم- الجنة بعمله. . . " الحديث (¬3):
¬__________
(¬1) وهو أنها مكروهةٌ في حق من صبر، ومحرمةٌ في حق من لم يصبر. اهـ "مدابغى"
(¬2) قوله: (إن لكم) قال الشيخ المناوي: هكذا قدَّره الشارح الهيتمي، وظاهره: أن الفضل المرتب على الأذكار الآتية يخصُّ لفقراء دون غيرهم من الأغنياء، واغتر في ذلك ببعض المتكلمين عليه "البخاري"، وما درى أنه قد تكفَّل بعض المحققين بردِّه، وقال: إنه غفلةٌ عن قوله في نفس حديث البخاري: (إلا من صنع مثل ما صنعتم) فجعل الفضل لقائله كائنًا من كان، فالأولى: تقدير ما يناسب العموم. انتهى بحروفه، وإنما كان ظاهره ما ذكر؛ لأن الفرض أن (لكم) خبر (إن) مقدمًا، و (صدقة) اسمها مؤخرًا، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص والحصر، والمعنى: لكم لا لغيركم، تأمل. ثم قرأت عبارة المناوي على شيخنا فقال: الخبر هنا حقه التقديم لدفع توهم الصفة فلا يفيد الحصر، فليراجع. اهـ "مدابغي"
(¬3) أخرجه البخاري (5673)، ومسلم (2816) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه بنحوه.

الصفحة 436