كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

ومن حلَّفه القاضي بغير اللَّه تعالى، أو حلف بنفسه، أو حلَّفه خصمه، أو نحو أميرٍ. . اعتبرت نية الحالف، فتنفعه التورية والاستثناء إن نواه قبل تمام يمينه.
وليس لقاضٍ تحليفٌ بطلاقٍ أو عتقٍ، فإن فعل. . عزله الإمام.
وإذا حلف المنكر أو نكل المدعي عن اليمين المردودة. . انقطع النزاع، فللمدعي بعد ذلك إقامة البينة (¬1)، ويحكم له بها وإن كان قد قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، أو كلُّ بينةٍ لي كاذبةٌ.
وبقي للكلام على صفة اليمين والنكول وما يتعلَّق بهما تفصيلٌ طويلٌ محله كتب الفروع.
واستفيد من الحديث: أنه لا يُقبَل قول الإنسان فيما يدعيه بمحض دعواه وإن غلب على الظن صدقه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه. . فله ذلك، وقد بيَّن صلى اللَّه عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه بأنه لو أُعطي بمجردها. . لادَّعى قومٌ دماءَ قوم وأموالهم واستبيحت؛ إذ لا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي. . فيمكنه صيانتهما بالبينة.
فعلم أن حكمة كون البينة على المدعي واليمين على من أنكر: هي ضعف جانب المدعي؛ لدعواه خلافَ الأصل، وجانب المنكر قوي؛ لموافقته أصل براءة الذمة، والبينة حجةٌ قويةٌ، لبعدها عن التهمة، واليمين حجةٌ ضعيفةٌ، لقربها منها (¬2)، فجعلت الحجة القوية في الجانب الضعيف، والحجة الضعيفة في الجانب القوي، ليتعادلا.
واستفيد منه أيضًا: الدلالة الظاهرة لمذهبنا ومذهب الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن اليمين تتوجه على كل من ادُّعِيَ عليه حقٌّ سواءٌ أكان بينه وبين المدَّعِي اختلاطٌ أم لا (¬3).
¬__________
(¬1) في النسخ كلها إلا (غ): (وإلا فللمدعي. . . إلخ) والمثبت منها، وهو الصواب الذي رجحه ونبَّه عليه العلامة المدابغي رحمه اللَّه تعالى.
(¬2) قوله: (لقربها) أي: اليمين (منها) أي: من التهمة. اهـ "مدابغي"
(¬3) قوله: (سواء أكان بينه) أي: المدعى عليه المذكور في قوله: (على كل من ادعي عليه حق) وقوله: (بين =

الصفحة 533