كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

وفي حديثٍ ضعيفٍ أيضًا: "من قال: سبحان اللَّه وبحمده. . كُتب له مئة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة" (¬1).
(وإن هم بسيئةٍ فلم يعملها) بأن ترك فعلها أو التلفظ بها لوجهه تعالى كما في الرواية التي قدمتها، لا لنحو حياءٍ أو خوفِ ذي شوكة أو عجزٍ أو رياءٍ (¬2)، بل قيل: يأثم حينئذ؛ لأن تقديم خوف المخلوق على خوف اللَّه تعالى محرمٌ، وكذلك الرياء، وذكر جماعةٌ أن من سعى في معصيةٍ ما أمكنه، ثم حال بينه وبينها قَدَرٌ. . كُتبت عليه.
(كتبها اللَّه عنده حسنه) لأن رجوعه عن العزم عليها خيرٌ أيُّ خير، فجوزي في مقابلته بحسنة، وأكدت بقوله: (كاملة) إشارة إلى نظير ما مر في (كاملة) في الهم بالحسنة، لا يقال: نظير ما مر ثَمَّ من أن الهم بالحسنة يكتب فيه حسنة أن يكون الهم بالسيئة يكتب فيه سيئة؛ لأن الهم بالشر من أعمال القلوب؛ لأنا نقول: قد تقرر أن الكف عنها خيرٌ أيُّ خير، وهو متأخرٌ عن ذلك الهم، فكان ناسخًا له: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}.
وقد جاء في الحديث: "إنما تركها مِن جَرَّايَ" أي: من أجلي (¬3)، وفي حديث البخاري "على كل مسلمٍ صدقة" قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فليمسك عن الشر؛ فإنه صدقة" (¬4).
(وإن هم بها فعملها. . كتبت سيئة واحدة) (¬5) زاد أحمد: "ولم تضاعف عليه" (¬6) ويدل له: {فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا}.
¬__________
(¬1) أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/ 334) عن سيدنا ابن عمر رضي اللَّه عنهما.
(¬2) قوله: (لا لنحو حياءٍ. . . إلخ) كأن يذهب إلى امرأةٍ ليزني بها فيجد الباب مغلقًا ويتعسر عليه فتحه فلا تكتب له حسنة، ومثله من يتمكن من الزنا فلم ينتشر، أو طرقه من يخاف أذاه، وأشار بقوله: (أو عجزٍ) إلى أن التارك لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة على الفعل، فلو تركها لواحدةٍ مما ذكر. . لم تكتب له حسنة، والحاصل: أنه إن ترك السيئة امتثالًا. . كُتبت له حسنة، وإلَّا. . فلا. اهـ "مدابغي"
(¬3) أخرجه مسلم (129) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه. وقوله: (من جراي) قال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى في "شرح مسلم" (2/ 148): (هو بفتح الجيم وتشديد الراء، وبالمد والقصر لغتان).
(¬4) صحيح البخاري (6022) عن سيدنا أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه.
(¬5) هكذا في النسخ، ولفظه في نسخ المتن وفي "البخاري"، و"مسلم": "وإن هم بها فعملها. . كتبها اللَّه سيئة واحدة".
(¬6) مسند الإمام أحمد (4/ 345) عن سيدنا خريم بن فاتك رضي اللَّه عنه.

الصفحة 588