كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

من عزم عليها ففعلها ولم يتب منها. . أُوخذ بعزمه؛ لأنه إصرارٌ، وتناقض فيه كلام السبكي، ورجَّح ولده ما يوافق كلام ابن رزين.
وبيان ذلك: أن السبكي قال في "حلبياته" ما حاصله: (ما يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب: الأولى: الهاجس؛ وهو ما يلقى فيها، ثم جريانه فيها، وهو الخاطر، ثم حديث النفس؛ وهو ما يقع فيها من التردد: هل يفعل أو لا؟ ثم الهم؛ وهو ترجيح قصد الفعل، ثم العزم، وهو قوة ذلك القصد والجزم به (¬1).
فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا؛ لأنه ليس من فعله، وإنما هو شيءٌ طرقه قهرًا عليه، وما بعده من الخاطر وحديث النفس وإن قدر على دفعهما لكنهما مرفوعان بالحديث الصحيح، أي: وهو قوله صلى اللَّه عليه وسلم: "إن اللَّه تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلم به -أي: في المعاصي القولية- أو تعمل" (¬2) أي: في المعاصي الفعلية؛ لأن حديثها إذا ارتفع. . فما قبله أَولى، وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضًا؛ لعدم القصد.
وأما الهم. . فقد بيَّن الحديث الصحيح أنه بالحسنة يكتب حسنة، وبالسيئة لا يكتب سيئة، ثم ينظر؛ فإن تركها للَّه تعالى. . كتبت حسنة، وإن فعلها. . كتبت سيئة واحدة.
والأصح في معناه: أنه يكتب عليه الفعل وحده، وهو معنى قوله: "واحدة" وأن الهم مرفوعٌ، ومن هذا يُعلم أن قوله في حديث النفس: "ما لم تتكلم أو تعمل به" ليس له مفهوم حتى يقال: إنها إذا تكلمت أو عملت. . يكتب عليها حديث النفس؛ لأنه إذا كان الهم لا يكتب؛ أي: كما استفيد من قوله: "واحدة" فحديث النفس أولى) اهـ
¬__________
(¬1) قال العلامة المدابغي رحمه اللَّه تعالى: وقد نظمت حاصل ما ذكر فقلت: (من البسيط)
مراتب القصدِ خمسٌ: هاجس ذكروا ... فخاطر، فحديث النفس، فاستمعا
يليه همٌّ، فعزمٌ كلها رُفعتْ ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
(¬2) أخرجه أبو يعلى (639)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (1114) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.

الصفحة 590