كتاب الفتح المبين بشرح الأربعين

فيهم الأبيض، والأسود، والأحمر، والسهل، والحزن، والطيب، والخبيث" (¬1).
(إنك ما دعوتني) بمغفرة ذنوبك، كما يدل عليه السياق الآتي؛ أي: مدة دوام دعائك، فهي مصدريةٌ ظرفيةٌ (¬2)، وغلط من جعلها شرطية.
(و) الحال أنك قد (رجوتني) بأن ظننت تفضلي عليك بإجابة دعائك وقبوله؛ إذ الرجاء: تأميل الخير وقرب وقوعه (غفرت لك) ذنوبك؛ أي: سترتها عليك بعدم العقاب عليها في الآخرة؛ لأن الدعاء مخ العبادة كما ورد (¬3)، وروى أصحاب "السنن" الأربعة: "إن الدعاء هو العبادة" ثم تلا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (¬4).
وروى الطبراني: "من أعطي الدعاء. . أعطي الإجابة؛ لأن اللَّه تعالى يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} " (¬5)، وفي حديث آخر: "ما كان اللَّه ليفتح على عبدٍ باب الدعاء ويغلقَ عنه باب الإجابة" (¬6).
والرجاء يتضمن حسن الظن باللَّه تعالى، وهو يقول: "أنا عند ظن عبدي بي" وعند ذلك تتوجه رحمة اللَّه تعالى للعبد، وإذا توجهت. . لا يتعاظمها شيء؛ لأنها وسعت كل شيء (¬7).
¬__________
(¬1) أخرجه ابن حبان (6181)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 3) عن سيدنا أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه.
(¬2) قوله: (فهي مصدرية ظرفية) أي: أن (ما) مصدرية ظرفية، والعامل فيها: (غفرتُ) أي: (إني غفرت لك مدة دوام دعائك إياي. . . إلخ) فهي حرف؛ أي: من الموصولات المذكورة في قوله:
وها هي (أَنْ) بالفتح (أنَّ) مشددا ... وزِيدَ عليها (كي) فخذها و (ما) و (لو)
وكان ينبغي للشارح رحمه اللَّه أن يسقط لفظة (دوام) فإن معنى كون (ما) مصدرية: أن يؤول مدخولها بمصدر، وهو هنا الدعاء، ومعنى كونها ظرفية: أن تقدر بالمدة، ولفظ الدوام هنا لا دخل له، بل يغني عنه قوله: (مدة) فتأمل. اهـ "مدابغي"
(¬3) أخرجه الترمذي (3371) عن سيدنا أنس رضي اللَّه عنه.
(¬4) سنن أبي داوود (1479)، وسنن الترمذي (2969)، وسنن النسائي الكبرى (11400)، وسنن ابن ماجه (3828) عن سيدنا النعمان بن بشير رضي اللَّه عنهما.
(¬5) المعجم الأوسط (7019) عن سيدنا عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه.
(¬6) أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" (6273)، وابن عدي في "الكامل" (2/ 322) عن سيدنا أنس رضي اللَّه عنه.
(¬7) الراجح عند السادة الشافعية: أن يكون رجاؤه وخوفه مستوين، وفي "مروج الذهب" (4/ 320): عن فقير بن مسكين قال: دخلت على الإمام الشافعي رحمه اللَّه أعوده في مرض موته، فقلت له: كيف أصبحت يا أبا =

الصفحة 626