كتاب إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية

{بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}.
وقرأ الباقون: «بَيَّناتٍ» بالجماعِ، لأنَّها مكتوبةٌ فِي المصحف بالألف والتاء.
والبينة، والبينات: القُرآن ومحمدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قولُه: «حتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ» وَيُقَال: بانَ الشيءُ وأَبان: إذا تَبَيَّنَ فهو بائنٌ ومبينٌ، وأبنته أَنَا وبيَّنْتُهُ لا غيرُ، والبَيِّنَةُ: وزنها فيعلة فاجتمع ياءان فأدغموا فالتَّشديد من جَلَلِ ذَلِكَ، وليس يجوزُ التَّخفيف، وأمَّا فمن العرب من يَقُولُ: البَيْنَةُ - بالتخفيف - تشبيهات بالدية، والاختيار التِّشديدُ، لأن النَّية وزنها فعلة من نويت، والأصل: نُويَة وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهو النُّون فأدغمت الياء المبدلة من الواوِ فِي الياءِ الأصلَّيةِ، فوقعَ التشديد من أجل ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: {ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِه}.
روى عُبَيْدٌ، عنْ أَبِي عَمْرٍو: «من عُمْرِهِ» بجزم الميم.
والباقون: «من عُمُره» بضَّمتين، وهما لغتان تَقولُ العربُ: أطالَ اللهُ عُمُرَكَ وعُمْرَكَ.
وفيه لغةٌ ثالثةٌ: عَمْرُكَ بفتح العين. والعَمْرُ أيضًا: القِرْطُ‍، وأيضًا الواحد من عُمور الأسنان.
وأمَّا قَولُهُم فِي القَسَمِ: «لَعَمْرُكَ» و «لَعَمْرى» فالفتح لا غيرُ، إلا أن من العربِ من يقدم الرّاء، ويعكس الحروف، فيقول: «رَعَمْلِي»، كما يقال جَذَبَ، وجَبَذَ، وما أَطْيَبَهُ، وأَيْطَبَهُ، وحكى أَبُو زَيْدٍ لغةٌ ثالثةٌ: لعمَرِي بفتح الميم.
اختلف النَّاس فِي قولُه: «عُمُرِهِ» الهاء عَلَى مَنْ تعود؟
فَقَالَ قومٌ: عَلَى الأول، وهو المُعمر أي: ما يعمر من معمَّر أي: لا يطول عُمَر أحدٍ، ولا ينقص من عمره، أي: لا يأتي عليه الليل والنهار، فينقصانه إلا ذَلِكَ مَسطورٌ فِي كتابٍ مُبينٍ.
والقولُ الآخرُ: ما يُعمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ، ولا يُنقص من عمرِ آخرَ غيرَ الأولِ، وهذا اختيارُ الفراء، وإنما أجازَ أن يعود الذكر عَلَى غير مذكورٍ لأنَّ المعنى مفهومٌ، كما يَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ درهمٌ ونِصْفُهُ، أي: نصفُ آخر، ويجوزُ نصفُ الأولِ أي: يزنه نصف الأول.

الصفحة 363