كتاب إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية

ومن سُورة المُمْتَحِنَة
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه إنما سُميت هَذِهِ السُّورة باسم المرأة التي كانت مُهاجرة إلى رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من نساء الكُفَّارِ وتَدع زَوجها، فَقَالَ اللَّه تَعَالى:
{فامْتَحِنُوْهُنَّ} لئلا تكون فارقت زَوجها عنْ تَقَالٍ، وإنَّما هاجرت ابتغاءَ الِإسلامِ فكان الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبايعهن عَلَى أن لا يشركنَ بالله شيئًا، ولا يَسرقن ولا يزَنين، ولا يَقتلن أَولادهن، يعني الموءودة، ولا يأتين بِبُهْتَانٍ يعني: أن تَزني المَرأة فتأتي بولدٍ من غير زَوجها فتنسبه إلى الزَّوج فذلك قولُه تَعَالى: {يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} وكانت هندُ أَتَتْ النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، - فلما أراد النَّبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يُبايِعَها قَالَ لها: أُبايعكِ على أن لا تزني، قالت: وهل تَزنى الحُرَّةُ؟ قَالَ: ولا تَسرقي، قَالَتْ: إلا من مالِ أَبِي سُفيان، قَالَ: ولا تَقتلي أولادَكِ، قَالَتْ:
إنْ لم تَقتلهم أنت، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان الحُكم فِي الممتحنة إذا جاءَت مسلمةً أن يَتَزَوَّجها المُسلمُ بغيرِ عِدَّةٍ، ولا تَرجِعُ إلى الكُفَّارِ لا تَحِلّ لَهُ ولا يَحِلُّ لها، ولكنْ يردُّ عَلَيْهِ مَهره.
وقولُه تَعَالى: {يَفْصِلُ بَينَكُمْ}.
قَرَأَ عاصمٌ: «يَفْصِلُ» مثل يَضْرِبُ أي: اللَّه يفصل بينكم وحجَّتُهُ {وَهْوَ خَيرُ الفَاصِلِينَ}.
وقرأ حَمزةُ والكِسَائِيُّ: «يُفَصِّلُ» بالتَّشديد وكسر الصَّادِ مثل يُكَلِّمُ، لأنَّه شيءٌ بعدَ شيءٍ، وحجَّتُهُما {قَدْ فَصَّلْنَا الَأيَاتِ}.
وقرأ ابنُ عامرٍ: «يُفَصِّلُ» مشدّدًا عَلَى ما لم يُسم فاعله مثل يُكَرَّمُ.
وقرأ الباقون: «يُفْصَلُ»» عَلَى ما لم يُسم فاعله وتَسكين الفاء مثل يُكْرَمُ. فهذه أربعةُ أوجهٍ، والأمر بينهن قريبٌ.
وقولُه تَعَالى: {وَلَا تُمْسِكُواْ}.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وحدَه: «وَلَا تُمَسِّكُواْ» مشدّدًا.
وقرأ الباقون مُخففًا. وَقَدْ ذكرتُ علته فِي الَأعراف وإنّما أَعدت ذكره لأن ابن مجاهد حدثني عن السمري، عن الفَرَّاء، قَالَ قَرَأَ الْحَسَنُ: «وَلَا تَمْسِكُواْ بِعِصَمِ»

الصفحة 440