كتاب تاريخ الحياة العلمية في المدينة النبوية خلال القرن الثاني الهجري

229
من ذكر النار شهق شهقة، كان زفير جهنم بين اذنيه، قد أكلت الأرض ركبهم
وايديهم وانوفهم وجباههم، ووصلوا كلال الليل بكلال النهار، مصفرة
الوانهم، ناحلة أجسامهم، من طول القيام، وكثرة الصيام، مستقلون لذلك في
جنب الله، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، قد شروا أنفسهم حتى إذا
التقت الكتيبتان، وابرقت السيوف بنحورهم وصدورهم، فمضى الشاب منهم
حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفر
جبينه بالثرى، وانحطت عليه الطير من السماء، وتمزقته سباع الأرض، فكم من
عين في منقار طائر؛ طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من
يد قد أبينت عن ساعدها، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا، وكم من
وجه رقيق، وجبين عتيق، قد فلق بعمد الحديد، ثم بكى، وقال: 51، 51، على فراق
الأخوان، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان)] (1).
وقال في احدى خطبه يذكر سبب خروجهم: تعلمون يا أهل المدينة انا لم
نخرج من ديارنا وأموالنا اشرا ولا بطرا، ولا عبثا، ولا لهوا، ولا لدولة ملك
نريد ان نخوض فيه، ولا لثار قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد
اطفئت، ومعالم العدل قد عطلت، وكثر الإدعاء في الدين، وعمل بالهوى،
وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت،
__________
(1) الجاحظ، البيان والتبيين 2/ 61، ابن قتيبة، عيون الاخبار 2/ 250، ابن عبد ربه، العقد الفريد
4/ 95، الطبري، التاريخ 7/ 396، احمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب 2/ 275، د. ماهر
حمادة، الوثائق السياسية ص 5 17، 171، 172.

الصفحة 229