كتاب تاريخ الحياة العلمية في المدينة النبوية خلال القرن الثاني الهجري

231
أبصاركم، وصفت عنها اسماعكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة، تنبسط
قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم،
مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا، تحملون
قلوبا في صدوركم كالحجارة أو اشد قسوة من الحجارة ... يا أهل المدينة:
داركم دار الهجرة، ومثوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نبت به داره، وضاق به قراره،
واذاه الأعداء وتجهمت له، فنقله الله إليكم، بل إلى قوم لعمري لم يكونوا
أمثالكم، متوازرين مع الحق على الباطل، مختارين الاجل على العاجل،
يصبرون للصراء رجاء ثوابها" (1).
وقال في تقريعهم أيضا: " يا أهل المدينة، أولكم خير أول، واخركم شر اخر،
إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم؛ فاختانوكم عن كتاتب غير ذى عوج، بتأويل
الجاهلين، وانتحال المبطلين، فأصبحتم عن الحق ناكبين، أمواتا غير أحياء وما
تشعرون، يا أهل المدينة: يا أبناء المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان،
ما أصح أصلكم، وأسقم فرعكم! كان اباوكم أهل اليقين، وأهل المعرفة
بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة والجهالة،
استعبدتكم الدنيا فأدلتكم، والأماني فأضلتكم، فتح الله لكم باب الدين
فسددتموه، وأغلق عنكم باتب الدنيا ففتحتموه، سراع إلى الفتنة، بطاء عن السنة،
عمى عن البرهان، صم عن العرفان، عبيد الطمع، حلفاء الجزع " (2).
__________
(1) أحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب 2/ 478، د. ماهر حمادة، الوثائق السياسية ص 1 17.
(2) ابن عبد ربه، العقد الفريد 4/ 5 4 1، أحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب 2/ 279.

الصفحة 231