كتاب تاريخ الحياة العلمية في المدينة النبوية خلال القرن الثاني الهجري

294
قاله عمر بن عبدالعزيز لمؤدب أبنائه صالح بن كيسان المدني (1):
"فحدثهم بالجفاء فهو أمعن لأقدامهم، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب
الغفلة، وقلة الضحك فإن كثرته يميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من
أدبك بغض الملاهي التي بدوها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه
بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج
بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء، ولعمري لتوقى ذلك، بترك
حضور تلك المواطن، أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه،
وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء مما ينتفع به، وليفتتح كل
غلام منهم بجزء من القران يتثبت في قراءته فإذا فرغ تناول قوسه ونبله،
وخرح إلى الغرض حافيا، فرمى سبعة أرشاق ثم انصرف إلى القائلة ا (2).
وقد وضع عمر رحمه الله في وصاياه أساسا لعدد من المسائل التربوية المهمة
منها: إبعاد الطالب عن اللهو والهزل، والضحك، وتجنيبه المعازف، والغناء لما
فيه من الخطر على القلب من النفاق، ووضع عمر رحمه الله منهجا دراسيا يوميا
يبدأ بالقران الكريم، ويحاول المؤدب تثبيت الجزء الذي درسه التلميذ، تم
يخرج به إلى مكان لتعلم الرمي، ويكون الطالب حافي القدمين لتعويده
الخشونة، فيرمى سبعة أسهم ثم ينصرف إلى القائلة وهو نوم ما قبل الظهر.
وكان الخلفاء ينتقون في اختيار مربي ابناءهم العلماء المشهود لهم بالصلاح
__________
(1) السخاوي، التحفة اللطيفة 2/ 233.
(2) ابن الجوزي، سيرة عمر بن عبدالعزيز ص 96 2، ابن الجوزي، تلبيس ابليس ص ه 23.

الصفحة 294