كتاب تاريخ الحياة العلمية في المدينة النبوية خلال القرن الثاني الهجري

381
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم، فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة "ذلك هو الخسران
المبين " [الزمر: ه 1] "أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله
واتبعوا أهواءهم " [محمد: 14 [مالى أرى عيونا خزراً (1) ورقابا صعرا، (2) وبطونا
بجرا (3) شجا لايسيغه الماء، وداء لايشرب فيه الدواء "أفنضرب عنكم الذكر
صفحا أن كنتم قوما مسرفين " [الزخرف: 5]؟ كلا والله بل هو الهناء (4) والطلاء،
حتى يظهر العذر، ويبوح السر، ويضح الغيب، ويسوس الجنب فإنكم لم
تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى، ويحكم إني لست أتاويا (5) أعلم، ولا بدويا أفهم
قد حلبتكم أشطرا، وقلبتكم أبطنا وأظهرا فعرفت أنحاءكم وأهواءكم،
وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بالسنتهم، وأسروا الكفر في قلوبهم، فضربوا
بعض اصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعض، وولدوا الروايات فيهم، وضربوا
الأمثال، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا يأذنون لهم،
ويصغون إليهم، مهلا مهلا قبل وقوع القوارع، وطول الروائع هذا لهذا ومع
هذا، فلست أعتنش ائبا ولا تائبا، "عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله
منه والله عزيز ذو انتقام " [المائدة: 5 9]، فأسروا خيرا واظهروه، واجهروا به
__________
(1) الخزر: النظر في احد الشقين.
(2) الصعر: الميل في الوجه أو في أحد الشقين.
(3) البجر: العظم وهو كبر البطن.
(4) الهناء: القطران يريد ان يعالجهم كما تطلى الإبل الجربى بالقطران لمداواتها.
(5) الأتاوى: الغريب عن القوم.

الصفحة 381