كتاب تاريخ الحياة العلمية في المدينة النبوية خلال القرن الثاني الهجري
85
فيرحم الله به الناس، فينزل المطر، ثم يدعوه أن يوقف الغيث فيوقفه (1).
ومن كثرة العباد والصلحاء بالمدينة والحجاز صار الحجاز مكانا لإصلاح
القلوب قال سفيان الثوري رحمه الله: " وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة " (2).
هذه صورة من صور حياة المجتمع المدني في القرن الثاني الهجري. وكان
علماء المدينة في طليعة العباد والزهاد، ممن ذكرت أخبارهم؛ أو لم أذكرها وكان
للعلماء والزهاد دور في المجتمع، ولا تقتصر عبادتهم وزهدهم على أنفسهم،
إنما كانوا قدوة للناس ومعلمين لهم ومقدمين في مجالات الخير والفضيلة، وفي
مقدمة الناهين عن المنكر والامرين بالمعروف حيث كان لهم تاثير كبير في رقي
المجتمع وبعده عن المحرمات.
الغناء بالمدينة:
اشتهر القول بأن أهل المدينة لا يرون الغناء بكل أنواعه من الأمور
المحظورة كغيرهم من أهل الأمصار الإسلامية الأخرى، وهذه الشهرة وردت
نظريا في كتب الفقه والزاجم. ونقلت وقائع في كتب الأدب وخاصة كتاب
الأغاني لأبي الفرح الأصفهاني فهل شهرته تدل على وجود الغناء بكل
أشكاله؟ هذا ما ساناقشه هنا.
فمن الناحية الفقهية فقد ورد عن يحيى بن القطان قوله: "لو أن رجلا
عمل بكل رخصة، بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، واهل
__________
(1) الزبير بن بكار، الأخبار الموفقيات 5 4 1، ابن الجوزي، صفة الصفوة 2/ 189، 0 9 1، 93 1.
(2) ابن سعد، الطقات 6/ 371.