التناقض الظاهر، وكان ذلك موضوع المناظرات الأولى التى يرتد زمنها إلى دمشق، بين الجبرية والقدرية والمرجئة، وورثت مدارس الكلام الكبرى ذلك عنهم.
1 - يؤكد المعتزلة حرية الإنسان، وهو يأتى أفعاله بالقدرة التى أودعها الله فيه ابتداء، والله يعلم هذه الأفعال الاختيارية، ولكن الله يثيب الإنسان أو يعاقبه على هذه الأفعال بكل إنصاف فهو الحكم العدل. وهو تعالى لا يأتى فعلاً بلا غرض أو غاية محددة، ففى الكون نظام مدبر. وهو النظام البديع الذى يتحدث عنه القرآن الكريم، نظام له غاية، ولذلك كانت ثمة غايات وسط تخضع لغاية ليس بعدها غاية؛ وثمة أسباب تؤثر تأثيراً فى أغراضها، وثمة حسن وقبيح فى طبيعة الأشياء يسبقان ذلك التبسيط الذى جاءت به الشريعة المنزلة. والله قد أوجب على نفسه أن يفعل الأصلح وهو لا يريد الشر ولا يأمر به. وإرادته وأمره سيان، والشر يخلقه الإنسان كما يخلق المدلولات الخلقية لأفعاله.
وقد افترق معتزلة البصرة ومعتزلة الكوفة حول فكرة "الأصلح" الذى يفعله الله دائماً وحول التوسع فى هذه الفكرة.
2 - واستنكرت مدرسة الأشاعرة محاولة تبرير أفعال الله. ذلك أن الله تعالى: لا يحيط به عقل، فهو الحكم العدل، لأنه يفعل ما يريد، وهو لا يلتزم بشئ وما يفعله هو الأصلح لا لأنه ألزم نفسه به هذا الإلزام وإنما لأنه فعله، إذ لا وجود للحسن وللقبيح من الناحية الخلقية سابقاً على ما جاءت به شريعة الله، وليس الله بعاجز عن أن يبدل الحسنة سيئة والسيئة حسنة (الجرجانى، شرح المواقف، جـ 8، ص 182). والحق إن الغزالى والرازى قد فطنا إلى معنى عقلى فى "الحسن" و"القبيح". فطن له الرازى من حيث الوجود فحسب (المحصل، القاهرة، طبعة غير مؤرخة، ص 147؛ كتاب الأربعين، القاهرة سنة 1353 هـ، ص 249) وفطن له الغزالى من حيث الصفات الحسية التى فطرت عليها الأشياء (الغزالى: الاقتصاد، القاهرة، طبعة غير مؤرخة، ص 67).