والله كما جاء فى القرآن الكريم {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... } وكل شئ معلق بقضائه تعالى موكول إلى إرادته التى تحيط بالأشياء جميعاً، على حين أن قدره الذى ينفذ بأمره هو "صفة للفعل المحدث" تحدد فى زمان الأشياء التى "كانت" فى انتقالها من اللاوجود إلى الوجود، والقدر كما يقول الجرجانى (التعريفات، طبعة فلو كل، سنة 1845 هـ، ص 181): "وجود الموجودات متفرقة فى الأعيان بعد حصول شرائطها". ويقول أيضاً: "القدر خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحداً بعد واحد مطابقاً للقضاء، والقضاء فى الأزل والقدر فيما لازال" (المصدر نفسه). ويقتضى هذا أن المرء يجب أن يفرق بين الإرادة والأمر، إذ الأمر هو الذى يتصل بطاعة الإنسان طاعة مباشرة، فالله يشاء ضلال الكافر ويخلق هذا الضلال فيه، ومع ذلك يأمره بالإيمان.
أما أفعال الإنسان الحرة "الاختيار" فحالة خاصة تتعلق بمبادئ أعم من ذلك. فالله هو خالق أفعال الإنسان أية كانت، وقد فسر نص ما ورد فى القرآن الكريم {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} بمعنى الخلق من العدم. صحيح أن الإنسان يخامره شعور بمسئوليته يحصى عليه الحسن والقبيح من الأفعال التى يأتيها كما يقول القرآن الكريم صراحة، وأنه تعالى يثيبه أو يعاقبه كما وعد. فقد أوتى الإنسان "الكسب" أو "الاكتساب" (سورة البقرة، الآية 281؛ سورة الطور، الآية 21). وفى نهاية القرن الماضى وجد الباجورى أن القاعدة الآتية قاعدة واجبة، وهى: الإنسان ملزم فى صورة مختار (حاشية على الجوهرة، القاهرة سنة 1352 هـ = 1934 م، ص 62) ومن ثم فإن الإنسان على مستوى التجربة يجب عليه أن يمضى فى أفعاله كأنما هو حر، ولكن يجب عليه أن يعلم أن كل شئ يأتيه فهو من الله، فإذا فعل الحسن فإنما فعله لأن الله برحمته شاء هذا، وإذا فعل قبيحاً فإنما لأن الله بعدله قد شاء هذا.
وهذا الإنكار للحرية الداخل فى مبحث علم الوجود يتفق مع كفاية "الأسباب" بما يخالف بدعة نظرية