أخذوا يتطلعون إلى منقذ يأخذ بأيديهم من هذا الضلال، ولم يكن الأمر أمر منقذ غير مؤيد من الله، فلقد كان فى الجزيرة قبيل الدعوة الإسلامية بقليل بعض المتألهين الذين لم يقروا للأصنام بعبادة، مثل: ورقة بن نوفل، وعبيد الله ابن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد ابن عمرو بن نفيل، ولكنهم لم يبلغوا أن يأخذوا بيد الناس لينقذوهم من الضلال إلى الهدى، وليجمعوهم حول كلمة التوحيد، لأن الأمر كما قلت لك كان يقتضى غيرهم ممن تؤيده السماء.
ولقد تولت السماء محمداً - صلى الله عليه وسلم - واختارته ليكون صاحب هذه الدعوة، وليكون نبى هذه الأمة، ليجمعهم على إله واحد، هو الله تعالى.
قال أبو الهيثم، وقد سئل عن اشتقاق اسم الله تعالى لغة: كان حقه إلاه، أدخلت الألف واللام تعريفاً، فقيل الإلاه، ثم حذفت العرب الهمزة استثقالا لها، فلما تركوا الهمزة حولوا كسرتها فى اللام، التى هى لام التعريف، وذهبت الهمزة أصلاً فقالوا: أللاه، فحركوا لام التعريف التى لا تكون إلا ساكنة، ثم التقت لامتان متحركتان، فأدغموا الأولى فى الثانية فقالوا: الله.
والجذم "أل هـ" قديم فى العربية، ولا يمنع هذا القدم من أن تكون ثمة مشاركة ومشاكلة بينه وبين نظائر له فى اللغات الشقيقة كالعبرية والسريانية أو الآرامية، وكما استخدم هذا الجذم فى العربية كان مستخدماً فى اللغات الشقيقة. ومن ثم كان فى العربية كلمة إله، وكانت تعنى قبل الإسلام ما كان يعبده العرب من أصنام وغيرها، ويقابله فى العبرية ألوهيم. أما لفظ "الله" فالذى لا شك فيه أنه لم يكن شائعاً على الألسنة قبل الإسلام شيوع لفظ إله، وأكثر ما ورد منه من ذلك كان على ألسنة المتألهين من الشعراء أمثال أمية بن أبى الصلت، من ذلك قوله:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا
وقوله:
هو الله بارئ الخلق والخلق كلهم ... إماء له طوعا جميعاً أعبد
وقوله:
أرسل الله بعد ذاك عذاباً ... جعل الأرض سفلها أعلاها
وعلى ألسنة نفر غيرهم، من ذلك قولهم فى الإعجاب: لله درك، وقولهم