كتاب تفسير الموطأ للقنازعي (اسم الجزء: 2)
* قالَ مَالِكٌ: جَزِيرَةُ العَرَبِ: مَكَةُ، والمَدِينَةُ، واليَمَنُ (¬1).
يُفْعَلُ بِمَنْ سَكَنَها مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الإسْلَامِ مِثْلُ مَا فَعَلَ عُمَرُ بأَهْلِ فَدَكَ ونَجْرَانَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ" [3323، 3324].
قالَ عِيسَى: كَرِهَ عُمَرُ بنُ الخطاب لِعَبْدِ اللهِ بنِ عَيَّاشٍ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ مِنْ تَفْضِيلِهِ مَكَّةَ عَلَى المَدِينَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: (أَنتَ القَائِلُ لَمَكَّةُ خَيْر مِنَ المَدِينةِ؟)، فقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ: (هِيَ حَرَمُ اللهِ وأَمْنُهُ وفِيهَا بَيْتُهُ)، فَجَاوَبَهُ عَبْدُ اللهِ عَنْ غَيْرِ مَا سَأَلهُ عَنْهُ عُمَرُ مِمَّا لا يُنْكِرُهُ عُمَرُ، وهَذِه حَيْدَةٌ عَنْ جَوَابِ سُؤَالِ عُمَرَ
، وَلَو أَجَابَهُ عَلَى لَفْظِ سُؤَالهِ فقالَ: هِيَ أَفْضَلُ مِنَ المَدِينَةِ لَضَرَبَهُ عُمَرُ بالدِّرَّةِ، ولَمْ يَشُكُّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ في أَنَّ المَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ تَمَنَّى أَنْ يَمُوتَ فِيهَا ويُدْفَنَ بِهَا, ولِمَا خَصَّها اللهُ بأنْ جَعَلَ فِيهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا قَبْرَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَمَوْضِعِ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا ومَا فِيهَا" (¬2)، وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ علَى فَضْلِ المَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ.
*قالَ أَبو عُمَرَ: تَلَقَّى النَّاسُ حَدِيثَ الطَّاعُونِ "إذا سَمِعْتُمْ بهِ بأَرْضٍ فلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهَا، وإذا وَقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" [3329] عَلَى سَبيلِ الرُّخْصَةِ إنْ شَاءُوا خَرَجُوا، وإنْ شَاءُوا لَمْ يَخْرُجُوا إذا لَمْ يُرِيدُوا بِخُرُوجِهِم الفِرَارَ
¬__________
(¬1) نقل قول مالك: ابن عبد البر في التمهيد 1/ 172. وقد اختلف في تحديد جزيرة العرب، ولكن رجح ياقوت الحموي في معجم البلدان 2/ 137 والحميري في الروض المعطار ص 163 بأن لها خمسة أقسام عند العرب في أشعارها وأخبارها: تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن، فما كان من جهة جبال السراة فهي تهامة، وصار ما دون جبل السراة الحجاز، ثم تمتد بلاد نجد إلى أرض العراق والسماوة شمالا، وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما ولاها شرقًا العروض، وصار ما والاها من البلاد إلى حضرموت وعمان: اليمن.
(¬2) رواه البخاري (2735) عن سهل بن سعد.
الصفحة 735