كتاب الجهاد لعبد الله بن المبارك - ط المطبوعات الحديثة (مقابل)

قَالَ: فَمَضَيْتُ مَعَ صَاحِبِي, فَإِذَا رَوْضَةٌ أُخْرَى يُضَعَّفُ حُسْنُهَا عَلَى حُسْنِ الَّتِي تَرَكْتُ، فِيهَا عِشْرُونَ جَارِيَةً، يُضَاعَفُ حُسْنُهُنَّ عَلَى حُسْنِ الْجَوَارِي اللاَّتِي خَلَّفْتُ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ، فَقُلْتُ: أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: هِيَ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَنَحْنُ جَوَارِيهَا, حَتَّى ذَكَرَ ثَلاَثِينَ جَارِيَةً, قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مُجَوَّفَةٍ، قَدْ أَضَاءَ لَهَا مَا حَوْلَهَا، فَقَالَ لِي صَاحِبِي: ادْخُلْ, فَدَخَلْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ لَيْسَ لِلْقُبَّةِ مَعَهَا ضَوْءٌ، فَجَلَسْتُ، فَتَحَدَّثْتُ سَاعَةً، فَجَعَلَتْ تُحَدِّثُنِي، فَقَالَ صَاحِبِي: اخْرُجِ انْطَلِقْ, قَالَ: وَلاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعْصِيَهُ, قَالَ: فَقُمْتُ، فَأَخَذَتْ بِطَرْفِ رِدَائِي، فَقَالَتْ: أَفْطِرْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ, فَلَمَّا أَيْقَظْتُمُونِي رَأَيْتُ أَنَّمَا هُوَ حُلْمٌ، فَبَكَيْتُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ نُودِيَ فِي الْخَيْلِ, قَالَ: فَرَكِبَ النَّاسُ، فَمَا زَالُوا يَتَطَارَدُونَ, حَتَّى إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ لِلصَّائِمِ الإِفْطَارُ، أُصِيبَ تِلْكَ السَّاعَةَ، وَكَانَ صَائِمًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنَ الأَنْصَارِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ ثَابِتًا كَانَ يَعْلَمُ نَسَبَهُ.
150- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيُّ, قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْبَرَّ أَرْضَ الرُّومِ، وَلَمْ يَغْزُ فَضَالَةُ فِي الْبَرِّ غَيْرَهَا، فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ، إِذْ يُسْرِعُ فَضَالَةُ، وَهُوَ أَمِيرُ النَّاسِ، وَكَانَتِ الْوُلاَةُ إِذْ ذَاكَ يَسْمَعُونَ مِمَّنِ اسْتَرْعَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ, فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَيُّهَا الأَمِيرُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ تَقَطَّعُوا، فَقِفْ حَتَّى يَلْحَقُوكَ, فَوَقَفَ فِي مَرْجٍ فِيهِ تَلٌّ، عَلَيْهِ قَلْعَةٌ، فِيهَا حِصْنٌ, قَالَ: فَمِنَّا الْوَاقِفُ، وَمِنَّا النَّازِلُ، إِذْ نَحْنُ بِرَجُلٍ أَحْمَرَ ذِي شَوَارِبَ، بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَتَيْنَا بِهِ فَضَالَةَ، فَقُلْنَا: إَنَّ هَذَا هَبَطَ مِنَ الْحِصْنِ بِلاَ عَهْدٍ وَلاَ عَقَدٍ, فَسَأَلَهُ: مَا شَأْنُهُ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَكَلْتُ الْبَارِحَةَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، وَشَرِبْتُ خَمْرًا، وَأَتَيْتُ أَهْلِي، فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أَتَانِي رَجُلاَنِ، فَغَسَلاَ بَطْنِي، وَزَوَّجَانِي امْرَأَتَيْنِ لاَ تَغَارُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، وَقَالاَ لِي: أَسْلِمْ, فَإِنِّي لَمُسْلِمٌ، فَمَا كَانَتْ كَلِمَتُهُ أَسْرَعَ مِنْ أَنْ رُمِينَا ....، فَأَقْبَلَ يَهْوِي، حَتَّى أَصَابَهُ فَوْقَ عُنُقِهِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَقَالَ فَضَالَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَمَلَ قَلِيلاً، وَأُجِرَ كَثِيرًا، صَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ, فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَفَنَّاهُ فِي مَوْقِفِنَا، وَسِرْنَا.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَقُولُ الْقَاسِمُ, يَذْكُرُ هَذَا: فَهَذَا شَيْءٌ رَأَيْتُهُ أَنَا.

الصفحة 145

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text