كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
كان أجود الاجودين و رحم الراحمين و كرم الاكرمين، فاله أحكم
الحاكمين وأعدل العادلين، لا يضع الاشياء إلا في مواضعها اللائقة بها،
ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله.
ولو رأى العقلاء أحدا منهم قد وضع المسك في الحشوش
والاحلية، ووضع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة
لاشتد نكيرهم عليه والقدح في عقله، ونسبوه إلى السفه وخلاف
الحكمة. وكذلك لو وضع العقوبة موضع الاحسان، والاحسان موضع
العقوبة لسفهوه، وقدحوا في عقله، كما قال القائل:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلأ مضر كوضع السيف في موضع الندى (1)
وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء، والغذاء موضع الدواء،
والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه، والامساك حيث يليق
الاستفراغ. وكذلك وضع الماء موضع الطعام، ووضع (2) الطعام موضع
الماء، و مثال ذلك مما يخل بالحكمة، بل لو أقبل على الحيوان البهيم
يريد تعليمه ما لم يخلق له من العلوم والصنائع. فمن بهرت حكمته
العقول والالباب كيف ينبغي له أن يضع الاشياء في غير مواضعها اللائقة
بها؟
ومن المعلوم أن أجل نعمه على عبده نعمة الإيمان به، ومعرفته،
ومحبته، وطاعته، والرضا به، والانابة إليه، والتوكل عليه، والتزام
عبوديته. ومن المعلوم أيضا أن الارواح منها الخبيث الذي لا أخبث
(1) للمتنبي في ديوانه (533).
(2) "وضع " ساقط من "ط ".
207