كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
منه، ومنها الطيب، وبين ذلك؛ وكذلك القلوب منها القلب الشريف
الزكي، والقلب الخسيس الخبيث. وهو سبحانه خلق الاضداد كما خلق
الليل والنهار، والبر والبحر (1)، والحر والبرد (2)، والداء والدواء،
والعلو والسفل؛ وهو أعلم بالقلوب الزاكية والارواح الطيبة التي تصلح
لاستقرار هذه النعم فيها، وايداعها عندها، ويزكو بذرها (3) فيها، فيكون
تخصيصه لها بهذه النعم (4) كتخصيص الارض الطيبة القابلة للبذر
بالبذر. فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ ()،
وفاعل ذلك غير حكيم، فما الظن ببذر الايمان والقران والحكمة ونور
المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال.
فالله عزوجل أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا، فهو أعلم بمن
يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالامانة، والنصيحة، وتعظيم
المرسل، والقيام بحقه، والصبر على أوامره، والشكر لنعمه، والتقرب
إليه؛ ومن لا يصلح لذلك. وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من
الامم لوراثة رسله، والقيام بخلافتهم، وحمل ما بلغوه عن ربهم.
قال عبدالله بن مسعود: "إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فرأى
قلب محمد لمجفه خير قلوب أهل الارض، فاختصه برسالته. ثم نظر في
(1) " والبر والبحر" ساقط من "ك، ط ".
(2) " ك، ط ": " البرد والحر".
(3) "ط": "بذورها"، وصحح في القطرية.
(4) "ط": "النعمة".
(5) جمع سبخة، وهي الارض لتي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض
الشجر.
208