كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

و بطلوا مسميات هذه الاسماء جملة، وقالوا: إن ما في الشريعة من
المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الاحكام لاجلها،
بل اتفق اقترانها بها أمرا اتفاقيا، كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات
سواء، والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقي.
وهم فريقان: أحدهما لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل
بها البتة، وإلما يعتمدون على تأثير العلة بنص أوإجماع، فان فقدوا
فزعوا إلى الاقيسة الشبهية.
والفريق الثاني أصلحوا المذهب بعض الاصلاح، وقربوه بعض
الشيء، و زالوا تلك النفرة عنه، فأئبتوا الاحكام بالعلل، والعلل
بالمناسبات والمصالح، ولم يمكنهم (1) الكلام في الفقه إلا بذلك،
ولكن جملوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات بها اقترائا عاديا غير
مقصود في نفسه، والعلل والمناسبات أمارات ذلك الاقتران.
وهؤلاء يستدلون على إثبات علم الرب تعالى بما في مخلوقاته من
الاحكام والاتقان والمصالح، وهذا تناقض بئن (2) منهم، فان ذلك إلما
يدل إذ كان الفاعل يقصد أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل
الحكمة المطلوبة منه. و ما من لم يفعل لاجل ذلك الاحكام والاتقان،
وإلما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة، فان ذلك الفعل لا يدك على العلم.
ففي أفعال الحيوانات من الاحكام والاتقان والحكم ماهو معروف لمن
تأمله، ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها لم تدل على
(1)
(2)
"ن": "لم يلتئم "، تحريف.
"ف": "من مذهبهم "، كذا، وهو تحريف.
248

الصفحة 248