كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

كل الحذر، واستدالوا بما رأوه منها وشاهدوه على مافي تلدب الدار من
المكروهات والعقوبات. وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها،
وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم، وإحسانا إليهم، وتذكرة وتنبيها.
ولما كانت هذه الدار ممزوجا خيرها بشرها، وأذاها براحتها،
ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من
شرها، وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار الشرور (1)
المحضة. فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط، وحلط فيها
بين (2) الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة؛
حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة. فقام بهذا الاختلاط سوق
العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم (3) عبوديته التي يحبها
ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير
والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه مايحبه من العبودية التي
لا تحصل إلا بذلك.
فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامنزاج والاختلاط أعقبه
بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما
يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها وحلق المؤمنين المتقين المخلصين
لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلطين للأمرين معا (4):
فهؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل الرحمة
(1) " ك، ط ": " ا لسرور "، تصحيف.
(2) "ف": " من "، تحريفه
(3) "ب": "ولم يمكن قيام ".
(4) "معا" ساقط من"ك، ب".
300

الصفحة 300