كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)

يدعوه إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله، وأنه أولى بكمال الحب
من كل شيء. ولكن إذا كانت النفولس صغارا كانت محبوباتها على
قدرها، وأما النفوس الكبار الشريفة فالها إلما (1) تبذل حبها لاجل
الاشياء وأشرفها.
والمقصود أن العبد إذا اعتبر كل كمال في الوجود وجده من اثار
كماله سبحانه، فهو دال على كمال مبدعه؛ كما أن كل علم في الوجود
فمن اثار علمه، وكل قدرة فمن اثار قدرته. ونسبة الكمالات الموجودة
في العالم العلوي والسفلي إلى كماله كنسبة علوم الخلق وقدرهم وقواهم
وحياتهم إلى علمه سبحانه وقدرته (2) وقوته وحياته. فاذن لا نسبة أصلا
بين كمالات العالم وكمال الله جل جلاله، فيجب أن لا يكون بين محبته
تعالى ومحبة غيره من الموجودات نسبة (3)، بل يكون حب العبد له أعظم
من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما. ولهذا قال تعالى: <والذين ءامنو3
أشد حبا لله > [البقرة/ 65 أ]. فالمؤمنون أشد حبا لربهم ومعبودهم تعالى
من كل محب لكل محبوب. هذا مقتضى عقد الايمان الذي لا يتم إلا به.
وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بد،
كدقائق العلم والمسائل التي يختص بها بعض النالس دون بعض. بل هذه
أفرض مسألة (4) على العبد، وهي أصل عقد الايمان الذي لا يدخل فيه
الداخل إلا بها، ولا قلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها،
(1) "إنما" ساقط من " ك، ط ".
(2) سقظت "قدرته " من " ف " سهوا.
(3) مكانها في "ط ": "له ".
(4) "ط ": "هذه مسألة تفرض ".
694

الصفحة 694