كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)

واذا كان الشوق هو سفر القلب في طلب محبوبه ونزوعه إليه، فهو
من أشرف مقامات العبد (1) و جلها وأعلاها. ومن أنكر شوق العبد إلى
ربه فقد نكر محبته له؛ لا! المحئة تستلزم (2) الشوق. فالمحب دائما
مشتاق إلى لقاء حبيبه (3)، لا يهدأ قلبه، ولا يقر قراره إلا بالوصول إليه.
وأما (4) قوله: " إن الشوق عند الخواص علة عظيمة؛ لان الشوق إلما
يكون إلى غائب، ومذهب هذه الطائفة إلما قام على المشاهدة ".
فيقال: المشاهدة نوعان: مشاهدة عرفان، ومشاهدة عيان، وبينهما
من التفاوت ما بين اليقين والعيان. ولا ريب أن مشاهدة العرفان متفاوتة
بحسب تفاوت الناس في المعرفة ()، ورسوخهم فيها، وليس للمعرفة
نهاية تنتهي إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب، بل
كلما وصل منها إلى معلم ومنزلة اشتد شوقه إلى ما وراءه. فكلما (6)
ازداد معرفة ازداد شوقا. فشوق العارف أعظم الشوق، فلا يزال في مزيد
من الشوق ما دام في مزيد من المعرفة، فكيف يكون الشوق عنده علة
عظيمة؟ هذا من المحال البين. بل من عرف الله اشتاق إليه، واذا كانت
المعرفة لا نهاية لها، فشوق العارف لا نهاية له.
(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
محمد - أبوالطيب الصوفي، جالس الجنيد وأقرانه. وروى عنه الحاكم وغيره.
تاريخ بغداد (12/ 390).
"ط ": "العبيد".
"ط ": "تستلذ"، تحريف.
"ط": "محبوبه ".
"ك، ط ": "فأمالا.
"ط ": "بالمعرفة".
"طلا: "وكلما".
723

الصفحة 723