كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 2)
ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم
العداوة وجاهرهم بها. فان ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين (1)
لهم -وهم في الباطن على خلاف دينهم - أشد عليهم من ضرر من
جاهرهم بالعداوة و لزم و دوم، لان الحرب مع أولئك ساعة أو أياما ثم
ينقضي، ويعقبه النصر والظفر؛ وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحا
ومساء، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر،
ولا يمكنهم مناجزتهم. فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا
قيل: لا على معنى أله لا عدو لكم سواهم، بل على معنى
ألهم أحق بأن يكونوا لكم عدوا من الكفار المجاهرين.
ونظير ذلك قول النبيئ! يم: "ليس المسكين بهذا (2) الطواف الذي
ترده اللفمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل
الناس، ولا يفطن له فيمصدق عليه " (3). فليس هذا نفيا لاسم المسكين
عن الطواف، بل إخبار بأن هذا القانع الذي لا يسمونه مسكينا حق بهذا
الاسم من الطواف الذي يسفونه مسكينا.
ونظيره قوله: " ليس الشديد بالضرعة، ولكن الذي يملك نفسه عند
الغضب " (4). ليس نفيا للاسم عن الصرعة، ولكن إخبار بأن من يملك
(1) "ف ": "المباشرين"، سهو، فإن الاصل واضح.
(2) "بهذا" ساقط من "ب، ك، ط ".
(3) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه البخاري (1479)، ومسلم في
الزكاة (039 1).
(4) أخرجه البخاري في الادب (6114)، ومسلم في البر والصلة (2609) عن أبي
هريرة رضي الله عنه.
879