كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

والثاني: في باب القَسَم، نحو: سألتُكَ بالله لمَّا فَعَلْتَ.
قال أبو علي الفارسيُّ (¬1): "من خفَّفَ كانت "إنْ" عنده هي المخفَّفة من الثقيلة، و"اللاَّمُ" في خبرها هي الفارقة بين "إنْ" النَّافية والمخَفَّفَة (¬2). و"ما" زائدة، و"إنْ" هي التي يُتَلقَّى بها القَسَمُ، كما يُتَلَقَّى بالمثقَّلة.
ومن قرأها مشدَّدةً كانت "إنْ" عنده نافية بمعنى "ما"، و"لمَّا" في معنى "إلَّا". قال سيبويه، عن الخليل -في قولهم: نشدتُكَ باللهِ لَمَّا فَعَلْتَ- قال المعنى: إلَّا فَعَلْتَ" (¬3).
ثُمَّ نبَّهَ -سبحانه- الإنسانَ على دليل المَعَاد بما يشاهده من حال مبدئه، على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ، فقال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)} [الطارق: 5] أي: "فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أنَّ الذي ابتدأ خَلْقَهُ من نُطفةٍ قادرٌ على إعادته" (¬4).
ثُمَّ أخبر -سبحانه- أنَّه خُلِقَ من ماءٍ دافِقٍ.
و"الدَّفْقُ": صَبُّ الماءِ، يقال: دَفَقْتُ الماءَ فهو مَدْفُوقٌ، ودَافِقٌ،
¬__________
(¬1) هو أبو علي؛ الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيُّ، النحوي العلامة، ولد بـ"فَسَا" من أرض فارس، وعلا كعبه في النحو والقراءات حتى فضَّلوه على المبرِّد، واتهم بالاعتزال، وصنف: "الحُجَّة"، و"المسائل الحلبيات"، و"البغداديات" وغير ذلك، توفي سنة (377 هـ) رحمه الله.
انظر: "نزهة الألباء" (315)، و"إنباه الرواة" (1/ 308).
(¬2) في (ن) و (ح) و (م): والخفيفة.
(¬3) "الحُجَّة للقُرَّاء السبعة" (6/ 397).
(¬4) هذا كلام ابن الجوزي في "زاد المسير" (8/ 224).

الصفحة 160