كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

وإذا كانوا يقولون: الوقت الحاضر، والساعة الراهنة -وإن لم يَفْعَلاَ ذلك- فكيف يمتنع أن يقولوا: ماءٌ دافِقٌ، وعيشَةٌ راضيةٌ؟!
ونَبَّه -سبحانه- بكونه دافقًا على أنَّه ضعيفٌ غير متماسك. ثُمَّ ذَكَرَ مَحَلَّهُ الذي يخرج منه، وهو بين الصُّلْب والترائب.
قال ابن عباس: "يريدُ صُلْبَ الرَّجُل، وترائبَ المرأة -وهو موضع القِلاَدة من صدرها-؛ والولدُ يُخْلَقُ من المائين جميعًا" (¬1).
وقيل: صُلْبُ الرجل وتَرَائِبُهُ وهي صدره (¬2)، فيخرج من صُلْبهِ
¬__________
(¬1) عزاه السيوطي إلى: عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (6/ 560).
وهو المشهور عند المفسرين، وعليه أكثر العلماء، ومال إليه المؤلف في "تحفة المودود" (449).
(¬2) وهو قول: الحسن، وقتادة. "النكت والعيون" (6/ 246)، و"المحرر الوجيز" (15/ 399).
وهذا القول هو الذي اختاره المؤلف في "إعلام الموقعين" (2/ 265)، ثم قال: "لأنَّه -سبحانه- قال: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)}، ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلابد أن يكون ماء الرجل خارجًا من بين هذين المحَلَّين، كما قال في "اللَّبن" يخرج {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ}.
وأيضًا؛ فإنَّه -سبحانه- أخبر أنه خلقه من نطفةٍ في غير موضعٍ، والنطفة هي: ماء الرجل، كذلك قال أهل اللغة.
وأيضًا؛ فإنَّ الذي يوصف بالدَّفْق والنَّضْح إنما هو ماء الرجل، ولا يقال: نَضَحَت المرأة الماء ولا دفَقَتْهُ.
والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك؛ أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: "الترائب": موضع القلادة من الصدر، قال الزجاج: "أهل اللغة مجمعون على ذلك"؛ وهذا لا يدل على اختصاص "الترائب" بالمرأة، بل يطلق على الرجل =

الصفحة 162