كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
تعالى، وإن كانت رؤيةُ الرَّبِّ -تعالى- أعظمَ من رؤية جبريل ومَنْ دُونه، فإنَّ النُّبوَّة لا يتوقف (¬1) ثبوتها عليها أَلْبتَّة.
ثُمَّ نزَّهَ رسولَيه كليهما -أحدَهُما بطريق النُّطْق، والثاني بطريق اللُّزُوم- عمَّا يضادُّ مقصودَ الرسالة من الكتمانِ الذي هو الضِّنَّةُ والبخلُ، والتبديلِ والتغييرِ الذي يوجب التهمة، فقال: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24)} [التكوير: 24]، فإنَّ الرسالة لا يتمُّ مقصودُها إلا بأمرين:
1 - أدائها من غير كتمان.
2 - وأدائها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ.
والقراءتان كالآيتين، فتضمَّنت إحداهما -وهي قراءة الضَّاد (¬2) - تنزيهه عن البخل، فإنَّ "الضَّنِين": البخيل، يقال: ضَنِنْتُ به أَضَنُّ، بوزن (بَخِلْتُ به أَبْخَلُ) ومعناه (¬3). ومنه قول جميل بن مَعْمَر (¬4):
¬__________
(¬1) بعده في (ز) زيادة: على!
(¬2) قرأ بها: عاصم، ونافع، وحمزة، وابن عامر. قال ابن الجزري: "وكذا هي في جميع المصاحف".
انظر: "النشر" (2/ 399)، و"علل القراءات" للأزهري (2/ 750).
(¬3) "أَضَنُّ" أصلها: أَضْنَنُ، على وزن (أَبْخَلُ)، ثم شُدِّدت النُّون فصارت: أَضْنُّ، فلما اجتمع الساكنان -الضَّاد والنُّون- احتيج إلى تحريك الضَّاد، وفي تحريكها لغتان صحيحتان:
1 - الكسر؛ فتقول: "أَضِنُّ".
2 - والفتح؛ فتقول: "أَضَنُّ"، وهو اللغة العالية كما قال ابن سيده.
انظر: "مفردات الراغب" (512)، و"الأفعال" للسرقسطي (2/ 222)، و"لسان العرب" (8/ 94).
(¬4) وكذا نسبه إليه الأمير أسامة بن منقذ في "لباب الآداب" (240)، ولم أجده في =