كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

والمعنى على هذا القول: إنَّا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بَنَانِهِ مجموعةً دون تفرُّقٍ، فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفرقتها (¬1).
فهذا وجهٌ من الاستدلال غير الأوَّل، وهو استدلالٌ بقدرته -سبحانه- على جمع العظام التي فرَّقَها ولم يجمعها، والأوَّل استدلالٌ بقدرته -سبحانه- على جمع عظامه بعد تفريقها، وهما وجهان حَسَنَان، وكلٌّ منهما له الترجيحُ من وجهٍ:
فيرجِّحُ الأوَّل أنَّه هو المقصود، وهو الذي أنكره الكفار، وهو أُجرِيَ على نسق الكلام واطَّرَد؛ ولأنَّ الكلام لم يُسَقْ لجمع العظام وتفريقها في الدنيا، وإنَّما سِيق لجمعها في الآخرة بعد تفرُّقها بالموت (¬2).
ويرجِّحُ القولَ الثاني-ولعلَّه قول جمهور المفسِّرين، حتَّى إنَّ (¬3) فيهم من لم يذكر غيره (¬4) - أنَّه استدلالٌ بآيةٍ ظاهرةٍ مشهودةٍ، وهي تفريق البَنَان مع انتظامها في كَفٍّ واحدٍ، وارتباط بعضها ببعضٍ، فهي متفرِّقة في عُضْوٍ واحِدٍ، يقبض منها واحدةً ويبسط أخرى، ويحرِّك واحدةً
¬__________
(¬1) في (ح) و (م): تفرقها.
(¬2) وهذا قول: الزجَّاج في "معانيه" (5/ 251)، وابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" (346).
واختاره: ابن عطية في "المحرر الوجيز" (15/ 208)، والقرطبي في "الجامع" (19/ 93)، وابن كثير في "تفسيره" (8/ 276)، وغيرهم.
(¬3) ساقط من (ز) و (ن) و (ك) و (ح) و (ط)، وأثبته من (م).
(¬4) كالفرَّاء في "معانيه" (3/ 208)، وابن جرير في "تفسيره" (12/ 328).
قال السمعاني: "وهذا قولٌ مشهورٌ في التفاسير". (6/ 103).

الصفحة 232