كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
لمن وصل إلى مثلِ تلك الحال، فحكى الله -سبحانه- ما جَرَتْ به عادتُهم بقوله، وحذَفَ فاعل القول؛ لأنَّه ليس الغرض متعلِّقًا بالقائل بل بالقول، ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا: مَنْ يرقى بروحه، فكان حمل الكلام على ما أُلِفَ وجَرَت العادةُ بقوله أَولَى، إذ هو تذكيرٌ لهم بما يشاهدونه ويسمعونه.
السادس: أنَّه لو أريد (¬1) هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال: مَنْ هو الراقي؟ ومَن الراقي؟ لا وجه للكلام غير ذلك، كما يقال: مَنْ هو القائل منكما كذا وكذا، وفي الحديث: "مَن القائلُ كلمةَ كذا؟ " (¬2).
السابع: أنَّ كلمة "مَنْ" إنَّما يُسأل بها عن التعيين كما يقال: مَن ذا الذي فعل كذا، ومَنْ ذا (¬3) الذي قاله. فَيَعْلَمُ أنَّ فاعلاً وقائلاً فَعَلَ وقَالَ، ولا يعلم تعيينه، فيسأل عن تعيينه بـ"مَنْ" تارةً، وبـ"أَىّ" تارةً، وهم لم يسألوا عن تعيين المَلَك الراقي بالرُّوْح إلى الله.
فإن قيل: بل علموا أنَّ مَلَكَ الرحمة أو العذاب صاعدٌ بروحه، ولم يعلموا تعيينه فَسَأَلوا عن تعيين أحدهما؟
قيل: هم يعلمون أنَّ تعيينه غير ممكن، فكيف يسألون عن تعيين ما لا سبيل للسامع إلى تعيينه، ولا إلى الكَلَمَةِ (¬4) بالعلم به.
¬__________
(¬1) في (ز): أراد.
(¬2) أخرجه -بهذا اللفظ- أبو داود في "سننه" رقم (774)، من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه.
والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (799) وغيره؛ من حديث: رفاعة بن رافع الزُّرَقي، بلفظ: "مَن المتكلِّم؟ ".
(¬3) ساقط من (ن) و (ك) و (ط) و (م)، وسقطت "ذا" من (ح) في الموضعين.
(¬4) كذا في جميع النسخ!