كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
حال الرسول من كلِّ وجهٍ، بل حالهم من أظهر الأدلَّة على صدق الرسول.
ومن حكمة الله -سبحانه- أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود لِيُعْلَم حالُ الكذَّابين وحالُ الصادقين، وكان ظهورهم من أَبْيَنِ الأدلَّة على صدقِ الرُّسُل، والفرقِ بين هؤلاء وبينهم، "فبضِدِّها تَتَبيَّنُ الأشياءُ" (¬1)، "والضدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضدُّ" (¬2)، فمعرفة أدلَّةِ البَاطل وشُبَهِهِ من أنواع أدلَّة الحقِّ وبراهينه.
فلمَّا سمع ذلك قال: معاذَ الله؛ لا نقول إنَّه مَلِكٌ ظالِمٌ، بل نبيٌّ كريمٌ، من اتَّبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتَّبع موسى فهو كمن اتَّبع محمدًا!
قلتُ له: بَطَلَ كلُّ ما تُمَوِّهُون به بعد هذا (¬3)؛ فإنكم إذا أقررتُم أنَّه نبىٌّ صادِقٌ؛ فلابدَّ من تصديقه في جميع ما أخبر به، وقد عَلِمَ أتباعُهُ وأعداؤُهُ -بالضرورة- أنَّه دعا النَّاس كلَّهم إلى الإيمان به، وأخبر أنَّ مَنْ لم يؤمن به فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النَّار، وقاتَلَ من لم يؤمن به من أهل الكتاب، وأَسْجَلَ (¬4) عليهم بالكفر، واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم
¬__________
(¬1) هذا عجز بيت للمتنبي "ديوانه" (127)، وصدره:
ونَذيمُهُمْ وبِهِمْ عَرَفنا فَضْلَهُ
(¬2) وهذا عجز بيت لأبي الشيص الخزاعي "ديوانه" (128)، وصدره:
ضِدَّانِ لما استجمعا حَسُنَا
(¬3) ساقط من (ز) و (ن) و (ك) و (ط)، وأثبته من (ح) و (م).
(¬4) أَسْجَل الكلام: أرسله، وأَسْجَل الأمر لهم: أطلقه.
والمعنى أنَّه أطلق عليهم وصف "الكفر" ورماهم به.
انظر: "لسان العرب" (6/ 181)، و"التكملة والذيل والصلة" (6/ 133).