كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
وقال الزمخشريُّ: "يتعلَّق بـ"مجنون" (¬1) مَنْفِيًّا، كما يتعلَّق بعاقِلٍ مُثبتًا في قولك: أنتَ بنعمةِ اللهِ عاقِلٌ، مُسْتَوِيًا (¬2) في ذلك الإثبات والنَّفْي استواءَهما في قولك: ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا، وما ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا (¬3)، تُعْمِلُ الفعلَ مُثبَتًا ومَنْفِيًّا إعمالاً واحدًا، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ على الحال، أي: ما أنت بمجنون مُنْعَمًا عليك بذلك. ولم تَمْنَع "الباءُ" أنْ يَعْمَلَ (مجنون) فيما قبله؛ لأنَّها زائدةٌ لتأكيد النَّفْي" (¬4).
واعتُرِض عليه (¬5) بأنَّ النَّفْيَ (¬6) إذا تسلَّط على محكومٍ به، وله معمولٌ، فإنَّه يجوز فيه وجهان:
¬__________
= لكان المراد نفيَ جنونٍ من نعمة الله، وذلك غير مستقيم من وجهين:
أحدهما: أنه لا يُوصف جنونٌ من نعمة الله.
والآخر: أنه لم يُرَدْ نفيُ جنونٍ مخصوص، وإنما أُريدَ نفيه عمومًا.
فتحقَّقَ أنَّ المعنى: أنه انتفى عنك الجنون مطلقًا بنعمة الله، وعلى هذا يُحْكَم في التعلُّق، فإن صحَّ تعلُّقه بالفعل، وإلا عُلِّق بالحرف".
قال ابن هشام بعد أن نقل ملخصه: "وهو كلامٌ بديعٌ، إلا أنَّ جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يُقدَّر أنَّ التعلق بفعلٍ دلَّ عليه النافي، أي: انتفى ذلك ينعمة ربِّك".
"مغني اللبيب" (5/ 298).
(¬1) في جميع النسخ من أول الآية: "بنعمة ربك بمجنون"، والتصحيح من "الكشاف"، وبه يتضح الكلام.
(¬2) في (ز): يستوي، وفي (ن) و (ك) و (ح) و (م): يستويا.
(¬3) المثال الثاني ساقط من (ز).
(¬4) "الكشاف" (4/ 589 - 590).
(¬5) المعترِض هو أبو حيَّان في "البحر المحيط" (8/ 302).
(¬6) ساقط من (ن) و (ك) و (ط)، وألحق بهامش (ز)، وفي (م) وهامش (ح): العامل.