كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

وفي قَبْضِ كَفِّ الطِّفْل عند وِلاَدِهِ ... دليلٌ على الحِرْصِ الذي هو مالكُهْ [ز/ 128]
وفي فَتْحِها عندَ المَمَاتِ إشارةٌ ... إلى فُرْقَةِ المالِ الذي هو تاركُهْ (¬1)
ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل عند خروجه، وضَحِكِ مَنْ حوله، وأنَّ الأمر سيُبَدَّلُ ويصير إلى ما يُبْكي مَنْ حوله عند موته، كما ضحكوا عند ولادته، وأنشدوا في ذلك:
أَنَسِيتَ إذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ باكيًا (¬2) ... والنَّاسُ حولَكَ يضحكونَ سُرورَا
فَاعْمَلْ لَعَلَّكَ أنْ تكونَ إذا بَكَوا ... في يومِ مَوْتِكَ ضاحِكًا مسرورَا (¬3)
ونظير هذه الإشارة -أيضًا- قولهم: إنَّ المولود حين ينفصل يَمُدُّ يَدَهُ إلى فِيهِ، إشارةً إلى تعجيل نُزُلِهِ (¬4) عند القدوم بأنَّه ضيفٌ (¬5)، ومن تمام إكرامه تعجيل قِرَاهُ (¬6)، فأشارَ بِلِسَان الحال إلى ترك التأخير، ورُبَّما
¬__________
(¬1) لم أهتدِ إلى قائله، لكنه استفاد هذا المعنى ممَّا ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -كما في "ديوانه" (134) بلفظ:
وفي قَبْضِ كفِّ الطفل عند وِلاَدِهِ ... دليلٌ على الحرصِ المركَّب في الحيِّ
وفي بَسْطِها عند المماتِ إشارةٌ ... أَلاَ فانظُروني قد خرجتُ بلا شيِّ
ومن هذا المعنى ما نقله ابن رجب الحنبلي في "ذيل طبقات الحنابلة" (3/ 144) عن الفخر إسماعيل الحنبلي أنَّه أنشد:
دليلٌ على حِرْصِ ابنِ آدمَ أنَّهُ ... تَرَى كفَّهُ مضمومةً وقْتَ وَضْعِه
ويَبْسُطُها عند الممات إشارةً ... إلى صُفْرِها ممَّا حَوَى بعد جَمْعِه
(¬2) في هامش (ك): ولدتك أمك باكيًا مستصرخًا.
(¬3) انظر: "مسامرة الندمان" للرازي (335).
(¬4) "نُزُل": ما يُهَيَّأُ للنزيل من الطعام. "المصباح المنير" (824).
(¬5) في (ز): ضعيف.
(¬6) "القِرَى": ما يقدَّم للضيف. "مختار الصحاح" (559).

الصفحة 546