كتاب التبيان في أيمان القرآن ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
انصرفت قُواه ونَهْمَتُه كلُّها إلى الغذاء الحيوانيِّ البهيمي، لمَّا فَقَدَ الغذاءَ الروحى القلبيَّ، فتوفرت أمعاؤه وقُواه على هذا الغذاء، واستفْرَغَتْ أمعاؤه هذا (¬1) الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها وقبولها، كما امتلأت به " العُرُوق" و"المعدة".
وأمَّا المؤمن فإنَّه إنَّما يأكل العُلْقَة (¬2) ليتقوَّى بها على ما أُمِرَ به، فهِمَّتُه وقُوَاه مصروفةٌ إلى أُمورٍ (¬3) وراء الأكل. فإذا أخَذَ ما يُغَذيه ويقيمُ صُلْبَه استغنى قلبُه ونفسُه وروحُه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيوانيِّ، فاشتغل مِعَاهُ الواحد -وهو "قُولُون"- بالغذاء، فأمسكه حتَّى أخذت منه الأعضاءُ والقُوى مقدارَ الحاجة، فلم يحتج إلى امْتِلاَءِ (¬4) أمعائه كلِّها من الطعام، وهذا أمرٌ معلومٌ بالتجربة.
وإذا قويت موادُّ الإيمان، ومعرفةِ الله وأسمائه وصفاته، ومحبتِه، ورجائه، والشوقِ إلى لقائه في "القلب" = استغنى بها العبدُ عن كثيرٍ من الغذاء، ووجد لها قوَّة تزيد على قوَّة الغذاء الحيوانيِّ.
فإن كَثُفت طِبَاعُك عن هذا، وكنتَ عنه بمعزلٍ؛ لاشتغالك بالغذاء الحيوانيِّ وامتلائك به (¬5)، فتأمَّلْ حال الفَرِح المسرور بتجدُّدِ نعمةٍ عظيمةٍ، واستغنائه مدَّة عن الطعام والشراب مع وفور قوَّته، وظهور
¬__________
(¬1) في (ز) و (ك) و (ط): على هذا.
(¬2) "العُلْقَة": كل ما يُتَبلَّغُ به من العيش. "القاموس" (1176).
(¬3) في (ز) و (ك) و (ط): أمرٍ.
(¬4) في (ح) و (م): أن يملأ.
(¬5) من قوله: "لاشتغالك بالغذاء ... " إلى هنا؛ ساقط من (ح) و (م).