كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
وهذا كالذي يصلح أرضه، ويهيئها لقبول الزرع، ويودع فيها البذر،
وينتظر نزول الغيث، فاذا طهر العبد قلبه وفرغه من ارادات السوء
وخواطره، وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة [ه 2/ ب] والاخلاص،
وعرضه لمهاب رياح الرحمة، وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه، كان
جديرا في حصول المغل (1) 5
وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته، كذلك يقوى الرجاء
لاصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الاوقات الفاضلة والاحوال
الشريفة، ولا سيما إذا اجتمعت الهمم، وتساعدت القلوب، وعظم
الجمع، كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة، فان اجتماع
الهمم والانفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول
الرحمة، كما نصب سائر الاسباب مفضية إلى مسبباتها.
بل هذه الاسباب في حصول الرحمة، أقوى من الاسباب الحسية في
حصول مسبباتها، ولكن العبد لجهله يغلب عليه الشاهد على الغالمج!
والحس على العقل، ولظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما
يحكم به الاخر ويقتضيه، ولو فرغ العبد المحل وهياه وأصلحه لرأى
العجائب، فان فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو أزال ذلك
المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب. فتامل حال نهر عظيم يسقي كل
أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الارض المعطشة المجدبة
سكر (2) وسد كثيف، فصاحبها يشكو الجدب، والنهر إلى جانب أرضه!
(1) الاصل: "الممغل"، وما أثبت من النسخ الأخرى هو الصواب. والمغل بمعنى
الغلة.
(2) قال في "لسان العرب " (4/ 375): سكر النهر يسكره سكرا: سذ فاه، وكل=
111