كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
التاسع عشر: ان يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له،
ولعز لا ذل معه، وامن لا خوف فيه، وغناء لا فقر معه، ولذة لا الم
معها، وكمالط لا نقص فيه، وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه
الفناء، والعز الذي يقارنه الذك ويعقبه الذلط، والامن الذي معه الخوف
وبعده الخوف، وكذلك الغناء واللذة والفرحة والسرور والنعيم الذي هنا
مشوب بضده يتعقبه ضده، وهو سريع الزوال، فغلط اكثر الخلق في هذا
المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله،
ففاتهم في محله، وأكثوهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، والذي ظفر به
إنما هو متاع قليل ثم يزول عنه.
والرسل إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير، فمن
أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه [26/ أ] فكان عيشه فيها أطيب من
عيش الملوك فمن دونهم، فان الزهد في الدنيا ملك حاضر، والشيطان
يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على أن لا يصل
إليه، فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو
الملك حفا؛ لان صاحب هذا الملك حر، والملك المنقاد لشهوته
وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مسطر مملوك في زي مالك، يقوده
زمام الشهوة والغضب، كما يقاد البعير.
فالمغرور المخدوع يقع نظره على الملك (1) الظاهر الذي صورته
ملك وباطنه رق، وعلى الشهوة التي أولها لذة واخرها حسرة.
شق سذ فقد سكر، والسكر: ما سذ به.
(1) ليست في الاصل، وأثبتها من النسخ الاخرى.
112