كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)
ربه فتاب عليه وهدى، وذنب إبليس كان بترك المامور، فكان عاقبته ما
ذكر الله سبحانه، وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة.
الثامن: أن المأمور محبوب للرب تعالى، والمنهيئ مكروه له، وهو
سبحانه إنما قدره وقضاه لانه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن
نفسه تعالى؛ أما من عبده فبالتوبة والاستغفار والخضوع والذل
والانكسار [16/ أ] وغير ذلك، واما من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد
والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه وغير ذلك مما هو احب
إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه. وإذا كان إنما قدر ما يكرهه
لانه يكون وسيلة إلى ما يحبه، علم ان محبوبه هو الغاية، ففوات محبوبه
أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه.
بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه اخر كان
المبغوض مراذا له إرادة الوسائل، كما كان النهي عنه وكراهته لذلك.
وأما المحبوب فمراد إرادة المقاصد كما تقدم (1)، فهو سبحانه إنما
خلق الخلق لاجل محبوبه ومأموره، وهو: عبادته وحده، كما قال
تعالى: < وما خلقت الجن وا لاثش إلا ليغطون ه) [الذاريات: 6 5] ه
وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلأ لهذه الغاية التي حلق خلقه لأجلها،
فانه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره، كالجهاد
الذي هو أحب العمل إليه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، ولولا محبته
لهذه المأمورات لما قدر من (2) المكروه له ما يكون سبئا لحصولها.
(1) في الوجه الاول من هذه الاوجه.
(2) ليست في الاصل، واثبتها من النسخ الثلاث الاخرى.
70