كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عالم الفوائد (اسم الجزء: 1)

على النفس، بخلاف السفر من النفس إلى الاخرة فانه سهل كما قال
أبو القاسم الجنيد: "المسير من الدنيا إلى الاخرة سهل هين على
المؤمن، وهجران الخلق في جنب الحق شديد، والمسير من النفس إلى
الله صعب شديد، والصبر مع الله أشد" (1).
وأما قوله: "والصبر بالئه بقاء" فلأن العبد إذا كان بالئه هان عليه كل
شيء، ويتحمل الاثقال ولم يجد لها ثقلا، فانه إذا كان بالله لا بالخلق ولا
بنفسه، كان لقلبه وروحه وجود اخر وشأن اخر غير شأنه إذا كان بنفسه
وبالخلق، وفي هذه الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته، وتنقلب مشاق
التكليف له نعيما وقرة عين، قال بعض الزهاد: "عالجت قيام الليل
ع! ضرين سنة ثم تنعصت به ع! ضرين سنة" (2)، ومن كانت قرة عينه في
الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة.
وأما قوله: " الصبر في الله بلاء" فالبلاء فوق العناء، والصبر فيه فوق
الصبر له وأخص منه، كما تقدم، فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه، وهو
اشق من الجهاد له، فكل مجاهد في الله [21/ أ] وصابر في الله مجاهد له
وصابر له من غير عكس، فان الرجل قد يجاهد ويصبر لله مرة فيقع عليه
اسم من فعل ذلك لله، ولا يقع عليه اسم من فعل ذلك في الله، إلا على
من انغمس في الجهاد والصبر ودخل في الجنة.
وأما قوله: "والصبر مع الله وفاء" فلأن الصبر معه هو الثبات معه
على احكامه، وان لا يزيغ القلب عن الانابة، ولا الجوارح عن الطاعة،
(1)
(2)
اسند قول 1 لجنيد هذا: القشيري في "رسالته " ص 255. وذكره الغزالي في "احياء
علوم الدين " (4/ 67).
لم أقف عليه.
91

الصفحة 91