كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (اسم الجزء: 4)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والتقدير: مذ كان يوم الجمعة، ومذ كان يومان (¬1) وهو قول المحققين من الكوفيين (¬2)، وإنما اخترته لأن فيه إجراء «مذ ومنذ» في الاسمية على طريقة واحدة مع صحة المعنى، فهو أولى من اختلاف الاستعمال، وفيه تخلص من ابتداء بنكرة بلا مسوغ إن ادعي التنكير، ومن تعريف غير معتاد إن ادعي التعريف، وفيه أيضا تخلص من جعل جملتين في حكم جملة واحدة من غير رابط ظاهر ولا مقدر (¬3)، ويعامل المصدر المعين زمانه بعد «مذ ومنذ» معاملة الزمان المعين في الرفع والجر، فيقال: ما رأيته مذ قدوم زيد ومنذ قدوم زيد، والأصل: مذ زمن قدوم زيد، ومنذ زمن قدوم زيد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما فعل في غير هذا المكان (¬4) وأجاز ابن كيسان أن يقال: إنّ منذ جئت زيدا غائب كما يقال: إن حين جئت زيد غائب، وقد يجران المستفهم به عن الوقت نحو: مذ متى رأيته، ومذ كم فقدته، وقد تقع أنّ وصلتها بعد «مذ» فيحكم لموضعها بما حكم به للفظ المصدر؛ لأنها مؤولة بمصدر، ومثال الإضافة إلى جملة مصرح بجزأيها قول الشاعر: -
1552 - ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما فأدرك خمسة الأشبار
يدني خوافق من خوافق تلتقي ... في ظلّ معترك العجاج مثار (¬5)
-
¬__________
(¬1) شرح التسهيل للمصنف (2/ 217).
(¬2) ينظر: المغني (1/ 335) وقد بين ابن هشام فيه أن الرأي الأول الذي عبر عنه المصنف هنا بقوله:
«وزعم الأكثرون» هو رأي المبرد وابن السراج والفارسي والأخفش والزجاج والزجاجي، وعلق على هذا الرأي قائلا: ولا خفاء بما فيه من التعسف. اه.
(¬3) ينظر: التذييل (3/ 347، 348)، والهمع (1/ 216، 217).
(¬4) ينظر: التذييل (3/ 353، 354)، وشرح الكافية للرضي (2/ 122).
(¬5) البيتان من الكامل، وهما للفرزدق في: المقتضب (2/ 176)، والتذييل (3/ 346، 356)، وابن يعيش (2/ 121)، (6/ 33)، وابن القواس (ص 872)، والارتشاف (ص 569)، والمغني (1/ 336)، وشرح شواهده (2/ 775)، والعيني (3/ 321)، والتصريح (2/ 21)، والهمع (1/ 216)، (2/ 150)، والدرر (1/ 185)، (2/ 206)، والأشموني (1/ 187)، (2/ 228)، وديوان الفرزدق (ص 378)، والفصول الخمسون (ص 243).
والشاهد فيه قوله: «مذ عقدت يداه»؛ حيث أضيفت «مذ» إلى الجملة الفعلية المصرّح بجزأيها، ويستشهد به أيضا على: أن العدد المضاف إذا أريد تعريفه عرف المضاف إليه، فيصير بذلك العدد مضافا إلى معرفة، وذلك في قوله: «خمسة الأشبار».

الصفحة 1962