كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (اسم الجزء: 6)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ (¬1). وقد صرح بهذا المعنى فقال: وتكون للتبعيض نحو: هذا منهم، كأنك قلت:
بعضهم (¬2)، وأشار أيضا إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال: «هو أفضل من زيد؛ فضّله على بعض ولم يعم (¬3).
ويبطل كون هذه للتبعيض أمران:
أحدهما: عدم صلاحية «بعض» في موضعها.
والثاني: صلاحية كون المجرور بها عاما كقولنا: الله أعظم من كل عظيم، وأرحم من كل رحيم، وإذا بطل كون المصاحبة «أفعل» التفضيل لابتداء الغاية وللتبعيض؛ تعين كونها لمعنى المجاوزة كما سبق. ومجيء «من» للانتهاء كقولك: قربت منه؛ فإنه لقولك: تقربت إليه، وقد أشار سيبويه إلى أن من معاني «من» الانتهاء فقال: وتقول:
رأيته من ذلك الموضع؛ فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت الابتداء.
قال ابن السراج رحمه الله تعالى: وحقيقة هذه المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي؛ فـ «من» لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب فـ «من» للهلال، والهلال غاية لرؤيتك؛ فلذلك جعل سيبويه «من» غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع (¬4) وقد جاءت «من» بمعنى «على» في قوله تعالى:
وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا (¬5) أي: على القوم، كذلك قال أبو الحسن الأخفش (¬6)، وإليه أشرت بذكر الاستعلاء في معاني «من» وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (¬7)، وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (¬8)، ومنه قول الشاعر:
2362 - ولم تره قابلا للجميل ... ولا عرف العزّ من ذلّه
فسمه الهوان فإنّ الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله (¬9)
-
¬__________
(¬1) سورة فاطر: 32.
(¬2) الكتاب (4/ 225).
(¬3) الكتاب (4/ 225).
(¬4) الأصول له (1/ 500).
(¬5) سورة الأنبياء: 77.
(¬6) راجع الارتشاف (2/ 443) تحقيق د/ النماس، والبحر المحيط (6/ 330)، والتبيان (2/ 923)، والتصريح (2/ 10).
(¬7) سورة البقرة: 220.
(¬8) سورة آل عمران: 179.
(¬9) الأبيات - بغير نسبة - في التذييل (4/ 5).