كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (اسم الجزء: 6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأشرت بموافقة الباء إلى قوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ (¬1) أي:
بطرف خفي، قال الأخفش (¬2): قال يونس: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ أي:
بطرف، كما تقول العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف.
وأشرت بموافقة «في» إلى نحو: قول عدي بن زيد (¬3):
2363 - عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن ييسّر في غد (¬4)
وتزاد «من» لتنصيص العموم كقولك: ما في الدار من رجل؛ فـ «من» زائدة؛ لأن الكلام يصح بدونها إذا قلت: ما فيها رجل، لكن «ما فيها من رجل» لا محتمل له غير العموم؛ ولذلك خطئ من قال: ما فيها من رجل بل اثنان، و «ما فيها رجل» محتمل لنفي الجنس على سبيل العموم، ولنفي الواحد دون ما فوقه، ولذلك يجوز أن يقال: ما فيها رجل بل اثنان، فلو كان المجرور بـ «من» هذه «أحد» أو «ديار» أو غيرهما من الأسماء المقصورة على العموم؛ لكانت مزيدة لمجرد التوكيد، فقولك: ما أحد و: ما فيها من أحد؛ سيان في إفهام العموم دون احتمال، ولا يكون المجرور بها عند سيبويه (¬5) إلا نكرة بعد نفي، أو نهي، أو استفهام، نحو: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (¬6)، وإلى النهي والاستفهام أشرت بذكر شبه النفي. وأجاز أبو الحسن الأخفش (¬7) وقوعها في الإيجاب وجرّها المعرفة، وبقوله أقول؛ لثبوت السماع بذلك نثرا ونظما. فمن النثر قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ (¬8)، وقوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (¬9)، وقوله تعالى: وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (¬10)، وقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * (¬11)، وقول عائشة رضي الله عنها: «إنّ رسول الله [3/ 175] صلّى الله عليه وسلّم كان -
¬__________
(¬1) سورة الشورى: 45.
(¬2) معاني القرآن (1/ 317)، وانظر التصريح (2/ 10).
(¬3) شاعر جاهلي فصيح من أهل الحيرة سجنه النعمان وقتله في سجنه بالحيرة (ت: 35 ق. هـ).
(¬4) من الطويل وهو بنسبته في الارتشاف (2/ 443)، والتذييل (4/ 5).
(¬5) الكتاب (4/ 225).
(¬6) سورة فاطر: 3.
(¬7) في المعاني له (1/ 479) وانظر: البحر (4/ 113)، والمغني (ص 324)، والهمع (1/ 225)، (2/ 35).
(¬8) سورة الكهف: 31.
(¬9) سورة البقرة: 271.
(¬10) سورة الأحقاف: 31.
(¬11) سورة البقرة: 25، 266 وغيرها من سور القرآن.

الصفحة 2882