كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (اسم الجزء: 6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ

2525 - ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث ... إلّا أخو ثقة فانظر بمن تثق (¬1)
قال أبو الفتح ابن جني في البيت الأول: أراد: فهلا عن التي جنبيك تدفع؛ فحذف «عن» وزادها بعد «التي» عوضا (¬2)، وقال في قول الراجز: أراد: إن لم يجد من يتكل عليه؛ فحذف «عليه»، وزاد «على» قبل «من» عوضا (¬3).
ويجوز عندي أن يعامل بهذه المعاملة «من، واللام، وإلى، وفي» قياسا على «عن، وعلى، والباء» فيقال: عرفت ممن عجبت، ولمن قلت، وإلى من أويت، وفي من رغبت، والأصل: عرفت من عجبت منه، ومن قلت له، ومن أويت إليه، ومن رغبت فيه؛ فحذف ما بعد «من» وزيد ما قبلها عوضا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (¬4)، وقد ذكر لهذا الحرف الذي هو «عن» معاني سبعة كما رأيت.
والجماعة المغاربة لم يثبتوا من هذه المعاني سوى المجاوزة؛ مستندين لقول سيبويه:
وأما «عن» فلما عدا الشيء (¬5)، قال ابن عصفور: ومعنى «عن» اسما كانت أو حرفا المجاوزة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: أطعمته عن جوع؛ فالمعنى: جعلت الجوع مجاوزا له ومنصرفا عنه، وكذلك إذا قلت: سقيته عن العيمة (¬6) وكسوته
عن العري؛ فقد جعلت العيمة والعري قد تراخيا عنه وجاوزاه، وكذلك أيضا قولك:
رميت عن القوس؛ لأنك قذفت سهمك عنها فجاوزها، وإذا قلت: جلست عن يمينه؛ فالمعنى: تراخيت عن يمينه وجاوزتها. وإذا قلت: أضربت عنه، وأعرضت عنه، فالمعنى: تراخيت عنه وجاوزته إلى غيره. وإذا قلت: أخذت عنه حديثا؛ فالمعنى: عدا إلى منه حديث (¬7). انتهى.
وكلام الخضراوي (¬8) قريب من كلامه وبمعناه، وكذا كلام ابن أبي الربيع (¬9).
ولكنهم نقلوا عن الكوفيين (¬10) إثبات أربعة معان. وهي: معنى «على»، ومعنى «بعد»، -
¬__________
(¬1) من البسيط لسالم بن وابصة وراجع: مجالس ثعلب (ص 300)، والمغني (1/ 127) بحاشية الأمير، والهمع (2/ 22).
(¬2) راجع الخصائص (2/ 305) والمحتسب (1/ 281)، والدرر (2/ 15) والكشاف: أول سورة المزمل.
(¬3) المصادر السابقة.
(¬4) انظر: شرح التسهيل (3/ 162).
(¬5) الكتاب (4/ 226).
(¬6) العيمة: شدة العطش إلى اللبن.
(¬7) انظر: نظيره في شرح الجمل (1/ 513).
(¬8) التذييل (4/ 22، 23).
(¬9) المصدر السابق.
(¬10) راجع التذييل (4/ 22، 23، 24).

الصفحة 2968