كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (اسم الجزء: 6)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
للمجاوزة. وأما «رميت بالقوس» فالباء فيه للاستعانة؛ فالمعنى مختلف وكل واحد من الحرفين مستعمل في موضوعه. وقد استدل الذاهبون إلى ذلك بقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (¬1) قالوا: التقدير: بالهوى، واستدلوا أيضا بقول امرئ القيس:
2527 - تصدّ وتبدي عن أسيل وتتّقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل (¬2)
أي: تصد بأسيل. وأجيب عن الآية الشريفة بأن المراد أن النطق خارج عن الهوى متجاوزه؛ فمعنى المجاوزة
ظاهر، والمعنى: لا يصدر نطقه إلا عن وحي. هذا جواب الخضراوي (¬3). وقال ابن أبي الربيع: وأما قوله سبحانه وتعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى فهو بمنزلة: أطعمتك عن جوع؛ لأنه نفى - تعالى - عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون نطقه كنطق غيره الذين ينطقون عن الهوى؛ فهو كما يقول ما تكلم عن حرج (¬4).
ولا يخفى على الناظر تطابق كلام هذين الرجلين. ولا شك أن ما ذكراه أحسن من قول ابن عصفور: إن المعنى وما يصرّف نطقه عن الهوى (¬5). وأما قول الشاعر:
تصدّ وتبدي ... ... ...
فأجابا عنه بأن «عن» متعلقة بـ «تبدي» أي: وتبدي عن أسيل، وليست متعلقة بـ «تصد»، وإنما عدّي تبدي بـ «عن» لأنه إذا أبدى عن الشيء فقد صرف عنه ما يستره (¬6). ومنهم (¬7) من ذهب إلى التضمين [4/ 9] فضمن «وتبدى» معنى:
وتزيل؛ لأنها إذا أبدت فقد أزالت الستر، فكأنه قال: تصد وتزيل الستر عن أسيل.
وأما التعليل فما استدل به المصنف على ذلك ظاهر وهو قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ (¬8) وقوله تعالى:
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ (¬9)، وكذا ما ذكره من قول الشاعر:
2528 - ولا عن ريثهنّ يخيب
-
¬__________
(¬1) سورة النجم: 3.
(¬2) من الطويل، والأسيل: الخد السهل، والناظرة: العين، والبيت في ديوانه (ص 16).
(¬3) التذييل (4/ 23) دون تعيين.
(¬4) كالسابق.
(¬5) التذييل (4/ 23).
(¬6) المصدر السابق بلا تبيين.
(¬7) في التذييل (4/ 23): (وقال بعض شيوخنا: وأما البصريون فيذهبون إلى التضمين).
(¬8) سورة التوبة: 114.
(¬9) سورة هود: 53.