كتاب تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (اسم الجزء: 8)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى ألفاظ الكتاب فنقول:
قوله: كمكانك بمعنى: اثبت يفيد أن مكانك لا يتعدى، وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن مكانك يوضع موضع ما هو متعد وما هو غير متعد، قال ابن عصفور (¬1):
«ولم يحفظ البصريون إلا كون هذه الكلمة لازمة، وحفظ الكوفيون كونها متعدية بمعنى: انتظر، فيقولون: مكانك زيدا» انتهى.
ولا شك أن إثبات كونها متعدية يحتاج إلى دليل.
وقوله: وعندك ولديك ودونك بمعنى: خذ - يفيد أن ثلاث الكلمات متعدية.
أما «عندك» فقد ذكر ابن عصفور أنها تستعمل لازمة كما تستعمل متعدية، ولم يستشهد على ذلك بشيء، وتبعه
الشيخ في ذلك فقال (¬2): «وتكون لازمة فتستعمل بمعنى تخوّف وتقدّم» (¬3).
وأقول: إن ذلك يحتاج إلى دليل، ثم كيف يكون معنى «عندك» تقدّم.
ولا شك أن الأمر بالتقدم ينافي قوله: عندك؟
وأما «دونك» فأثبتها ابن عصفور متعدية؛ لكن قال الشيخ: (¬4): «وتستعمل لازمة بمعنى تأخّر، ولم يذكر على ذلك شاهدا، وأنشد لجرير:
3643 - أعيّاش قد ذاق القيون مرارتي ... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطلي (¬5)
-
¬__________
(¬1) يبدو أنه في شرح الإيضاح لأنني لم أعثر عليه في كتبه التي بين أيدينا كما أنه متصل بالكلام السابق عن ابن عصفور.
(¬2) انظر التذييل (6/ 218).
(¬3) قال سيبويه في الكتاب (1/ 249): «وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهيّ فقولك: مكانك وبعدك إذا قلت: تأخر أو حذرته شيئا خلفه، وكذلك عندك إذا كنت تحذره من بين يديه شيئا أو تأمره أن يتقدم» وانظر اللسان (عند).
(¬4) انظر التذييل (6/ 218، 219).
(¬5) هذا البيت من الطويل وهو لجرير (ديوانه: 2/ 62).
الشرح: عياش: هو ابن الزبرقان، والقيون: جمع قين وهو الحداد وقيل: كلّ صانع قين، ويجمع أيضا على أقيان، والقين أيضا: العبد والجمع قيان، والمراد هنا الأول بدليل الجمع على «قيون» وإن كان الأظهر أن يراد الثاني ولعله كذلك وإن كان أخطأ في الجمع لأن المراد بالقيون قوم الفرزدق، وقوله:
فادن دونك: أي قريبا بمعنى: اقترب مني، «فاصطلي» الاصطلاء: الاستدفاء بالنار. -