كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة (اسم الجزء: 4)
قبل أن تجف طينة (¬1) الكتاب وشنع، فقال النبي -عليه السلام- (¬2): "ذلك الكتاب في الرجال دون النساء" فأنزل الله الآية (¬3) ورضي الفريقان به جميعًا، وقيل: ولم يرض المشركون بشيء فأنزل الله تعالى على رسوله قوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا}.
{فَامْتَحِنُوهُنَّ} قيل: استوصفوا الإيمان, وقيل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستحلف المرأة بالله أنها لم تخرج مغاضبة لبعض أهلها ولا متعشقة لبعض المسلمين ولا طالبة للدنيا ولكنها خرجت لوجه الله وحده لا شريك له (¬4)، فإيمانهن إيمان القلب {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} إيمان اللسان، وحكم قوله: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} باق، وحكم قوله: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} منسوخ، وحكم قوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} منسوخ، والنسخ بالسنة المتواترة بعد انتهاء الموادعة (¬5)، وحكم قوله {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} باقٍ، وذهب الشيخ أبو جعفر (¬6) إلى أن هذه الآية متأخرة عن قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221].
¬__________
(¬1) في الأصل: (طيبة).
(¬2) (السلام) ليست في "ي"، وفي "ب": (النبي صلى الله -عليه السلام-).
(¬3) زاد المسير (8/ 238).
(¬4) أخرجه الطبري في تفسيره (22/ 575)، والبزار (2272) وفيه عطية العوفي وهو ضعيف، ويغني عنه حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله يُمْتَحَنَّ بقول الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ...} الآية قالت عائشة: فمن أَقَرَّ بهذا من المؤمنات فقد أقرَّ بالمحبة ... " الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (1866)، وأخرجه البخاري في "تغليق التعليق" (4/ 339)، والبيهقي (9/ 228).
(¬5) يتنزل هذا الحكم الذي في الآية على الصلح الذي كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، والمعنى كما قال مجاهد: ما ذهب من أزواج أصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم - إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتِهِنَّ، وليُمْسِكُوهُنَّ، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فمثل ذلك. قال ابن العربي: كان هذا حكم الله مخصوصًا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة.
[الطبري (22/ 586)، القرطبى (18/ 68)].
(¬6) (أبو) ليست في الأصل.